هل يمكن تقنين العقوبات في التعزير؟

اقرأ في هذا المقال


تقنين العقوبات في التعزير:

هناك بعض الملاحظات على أقوال الفقهاء في التفويض. لقد تكلمنا عن أقوال الفقهاء في تفويض التعزير ومداه، سنذكر فيما يأتي بعض الملاحظات على هذه الأقوال، قبل أن نتكلم عن إمكان تقنين عقوبات التعزير:

  • لقد أخرج أغلب الفقهاء من نطاق التفويض بمعناه الواسع التعزير بالضرب، فقد قالوا بتفويض القاضي في اختيار نوع العقوبة التي يراها مناسبة لكل حالة، ولكنه إذا اختار الضرب عقوبة فَليست سلطتهُ مطلقة في تقدير العقوبة، بل هو مقيدٌ بحدٍ أعلى للضرب لا يتجاوزه، وهو كذلك مقيد بحدٍ أدنى لا ينزل عنه على رأي.
    ومعنى ذلك أن التعزير إذا كان بالضرب فلا تفويضٌ فيه للقاضي، ولكن سلطتهُ مقصورةً على التنقل بين الحدين لا يَعدوهما، فإذا كان الحد الأدنى وهو ثلاثُ جلدات عند من يقول به زائداً على المناسب، بمعنى أن الجاني ينزجرُ بأقل منهُ، فإن القاضي ليس له النزول عنه إلى المناسب، بل يقف عنده، وهذا يُنافي التفويض الذي هو تركُ الحرية للقاضي لفرض العقاب المناسب للمجرم على ما يرى.
    وإذا كان الحد الأعلى للضرب غير كافٍ لزجرِ الجاني، وليس مناسباً لجرمه، فإنه أيضاً لا يستطيع زيادة مقدار الضرب عن هذا الحد، وهذا بدوره يُنافي التفويض، وإن كان للقاضي استبدال عقوبات أخرى مثل الحبس وغيره بالضرب بعد الحد الأعلى إذا رآه، فإن ذلك لا ينفي أن القاضي مقيد في هذا المجال.
  • أيضاً قال الفقهاء بتقسيم الناس من حيث التعزير إلى مراتب أربع عَددوها، وقد سبقت الإشارة إليها. والقول بهذه المراتب ليس له من فائدة إذا كان التعزير مفوضاً إلى رأي الحاكم، فإن له تبعاً للتفويض أن يفرض العقاب الذي يراه مناسباً لكل حالةٍ، وليس مقيداً بهذا التقسيم، وقد سبقت الإشارة إلى قول بعض الفقهاء: إن هذا التقسيم ليس على إطلاقه وتفسيرهم لذلك.
  • أوجب البعض من الفقهاء: أن يبلغ التعزير أقصاه في حالاتٍ عَددوها وهذا قيدٌ في التفويض لا يرفعهُ رأي آخرين فيها: بعدم وجوب ذلك على القاضي، وأنه من قبيل الاستحسان؛ لأنه إن لم يبلغ غاية التعزير فيها، فقد ترك على رأيهم ما كان ينبغي ويستحسنُ فعله إلى غيره.
  • وليس معنى تفويض التعزير إلى القاضي أنه حر في فرض العقاب الذي يراه لكل حالة حسب هواه أو بغير ضابط، بل هو مقيد في ذلك تقييداً دقيقاً بقيد عامٍ، هو لا يتجاوز المناسب من العقوبة إلى غيره، ويقف عند العقوبة التي تلزم وتكفي لتحقيق أغراض الشارع من فرض عقوبة التعزير، وأهمها زجر الجاني ورده، وهو في ذلك حكمةً كحكم دفع الصائل، فكما أنه لا يجوز دفع الصائل بأزيد ممّا يلزم لذلك، وكذلك القاضي يتقيد بالمناسب اللازم للزجر حسبما يؤدى إليه اجتهاده في كل حالة تعرض عليه. وحاله مع الجاني كحال الطبيب مع المريض، يُعطيه من أنواع العلاج ما يرى فيه شفاءٌ له.
  • وهذا كله إذا قلنا بتفويض التعزير إلى القاضي. وقد تقدم أن من الفقهاء من ينكر ذلك على القضاة الآن. وتِبعاً لهذا الرأي توضع العقوبات مقدماً ليُطبقها القضاة فيما يَعرض عليهم من أقضية في الحدود التي ترسم لذلك.

المصدر: كتاب التعزير في الشريعة الإسلامية، للدكتور عبد العزيز عامر.كتاب التعزير في الإسلام، للدكتور أحمد فتحي بهنسي.كتاب أحكام التعزير والجرائم التأديبية وعقوباتها، للدكتور شعبان الكومى أحمد فايد.كتاب الحدود والتعزيرات عند ابن القيم دراسة وموازنة، تأليف بكر بن عبد الله أبو زيد.


شارك المقالة: