من خصال الكفارة "صيام شهرين متتابعين"

اقرأ في هذا المقال


صيام شهرين متتابعين:

إنَّ من خِصال الكفارة هو صيام شهرين متتابعين، وجعلت الثانية؛ لأنها لا تجب إلا بعد العجز عن تحرير الرقبة وهذا ثابت من قول النبي عليه الصلاة والسلام”هل تجد ما تعتق به رقبة قال لا: قال هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين إلى آخر الحديث. والحكمة من كون الصيام شهرين متتابعين؛ لأنه أمر بمصابرةِ النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسدتهُ يوماً كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبارة واحدة بالنوع تكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة بنقيض قصده.
ومعنى التتابع: هو اتصال الصيام على مدى المدة المقررة وهي: شهرين متتابعين بحيث لو أفطر يوماً من غير عذرٍ لزمه استئناف صيام الشهرين؛ لأنه أمكنه التتابع فلزمه. أما إذا وجد عذر فإنَّه يقطع التتابع؛ لأن العذر خارج عن إرادته، فإنَّ حاضت المرأة أو نفست أو كان الفطر لمرضٍ أو سفر كان الفكر قد وجب عليه لمصادفتهِ أيام العيدين وأيام التشريق، فليس عليه استئناف صيام جديد وإنَّما يقضي أياماً بعد الذي أفطرها.
وهذا كله إذا شرع في الصيام غير قادر على العتق أما إذا لم يُشرع في الصيام حتى حتى أيسر وقدر على العتق لزمه العتق إجماعاً؛ لأنه لا ينتقل إلى البدل إلا عند عدم القدرة على المبدل ويدل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام للأعرابي: هل تجد ما تعتق به رقبة قال لا: قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، فلم ينتقل به إلى الصوم لما أخبرهُ بعدم قدرته على العتق.
أما إذا شرع الصوم فهل يرجع إلى العتق أو يستمر في الصوم. فقد وقع الخلاف هنا، فعند الشافعية والحنابلة إنَّ شاء استمر في الصوم وإنَّ شاء قطع الصوم وأعتق فجُزئه العتق؛ لأنه رجع إلى الأول وعند أبي حنيفة يرجع إلى العتق ويُلزمه قطع الصوم؛ لأنه قادر على المبدل وسبب الخلاف في ذلك هل المعتبر بالقدرة وقت الوجوب أو وقت الأداء. فقد أعتبر الشافعي ومن معه أن العبرة بالقدرة أو العجز وقت الوجوب، وقال الحنفية العبرة بالقدرة والعجز وقت الأداء لا وقت الوجوب.
أدلة الشافعية والحنابلة: استدلوا بأن الصائم عندما شرع في التكفير بالصوم قد شرع في الكفارة الواجبة عليه فأجزأته كأن عجزه مستمر حتى فراغه من الصوم، وأيضاً أن العبرة في الكفارة بوقت الوجوب لا وقت الأداء وقد كان وقت الوجوب عاجزاً عن المبدل فلجأ إلى البدل؛ لأن الكفارة وجبت عقوبة فيُعتبر فيها وقت الوجوب كالحدّ فإنَّ العبد إذا زنا ثم أعتق يُقام عليه حدّ العبد والدليل على أن الكفارة وجبت عقوبة أن سبب وجوبها الجناية على الصوم وتعليق الوجوب بالجناية تعليق الحكم بوصف مناسب مؤثر في مال عليه.
أدلة الحنفية على قولهم: إنَّ الكفارة هي عبارة لها بدل ومبدل، فيُعتبر فيها وقت الأداء لا وقت الوجوب مثل الصلاة، فإنَّ فاتته صلاة في الصحة فقضاها في المرض قاعداً أو بالإيماء جاز، والدليل على أنها عبادة وأن لها بدلاً أن الصوم بدل عن التفكير بالعتق والصوم عبادة وبدل العبادة عبادة وأنها مُشترط فيها النية وهي لا تشترط إلا في العبادة وإذا ثبت أنها عبادة لها بدل ومبدل فهذا يوجب أن يكون المعتبر فيها وقت الأداء؛ لأنه إذا أيسر قبل الشروع في الصيام أو قبل تمامه فقد قدر على المبدل قبل حصول المقصود بالبدل يُبطل البدل وينتقل الأمر إلى المبدل كالتيمم إذا وجد الماء قبل المشروع في الصلاة أو بعده قبل الفراغ منها.
أما القول الراجح: وهو ما قال به الشافعية والحنابلة وسبب الترجيح:
هو أن المكفر شغلت ذمته ذمته بالكفارة من وقت ارتكاب الجناية الموجبة لها وكانت ذمته غير بريئة فلما شرع في الصوم بدأت يراه الذمة وعندئذ إذا أيسر فلا يرجع إلى العتق إلا استحباباً.
إنَّ الكفارة فيها عقوبة وعبادة، فهي عقوبة لوجوبها بسبب الجناية المرتكبة لهذا يراعي فيها معنى العقوبة بل ربما كان هو الغالب لارتباط الكفارة بالجناية إذا لو لا ارتكاب الجناية لما وجبت الكفارة.
وذهب أن الصائم صام أكثر المدة أو جلها بأن صام تِسعاً وخمسين يوماً وأيسر قبل اليوم الأخير فلو قلنا بوجوب رجوعه إلى المبدل، لكان جميعاً بين البدل والمبدل فمراعاةِ وقت الوجوب أولى.

المصدر: كتاب الكفارات أحكام وضوابط، للدكتور عبد الرقيب صالح محسن الشافعي.كتاب الكفارات في الفقه الإسلامي، للدكتور رجاء بن عابد المطرفي.كتاب الكفارات أسباب وصفات، للمؤلف سعيد عبد العظيم.كتاب الكفارات في الفقه الإسلامي، تأليف محمد اسماعيل أبو الريش.


شارك المقالة: