فلسفة بودان في سلطة الأمير وشكل الدولة

اقرأ في هذا المقال


كان الفيلسوف جان بودان مثل مكيافيلي أحد هؤلاء الكتاب الذين تطور تفكيرهم السياسي تحت ضغط التجربة الشخصية، حيث نُشرت كتب الكومنولث الستة في أوائل عام 1576 وتعكس أكثر من أي من أعماله الأخرى جميع جوانب تجربته المتنوعة للغاية، فقد كان مقتنعا بأنّه لا يمكن استعادة السلام إلّا إذا مُنح الأمير صاحب السيادة سلطة الدولة المطلقة وغير القابلة للتجزئة.

قيود على سلطة الأمير:

على الرغم من أنّ الأمير صاحب السيادة غير ملزم بالقانون المدني -لا بقوانين أسلافه التي كانت لها قوة فقط طالما كان صانعها على قيد الحياة، وما لم يصدق عليه الحاكم الجديد ولا بقوانينه الخاصة- فهو ليس حرًا في القيام بذلك، وكما يشاء يجب على جميع الأمراء الأرضيين اتباع شريعة الله والطبيعة.

يكتب بودان أنّ القوة المطلقة هي القدرة على تجاوز القانون العادي ولكن جميع الأمراء الأرضيين يخضعون للقوانين الإلهية والطبيعية، ولمخالفة قوانين الله في ظل عظمة من يجب على جميع الرهبان في العالم أن يكونوا نيرًا، وأن يحنيوا رؤوسهم في كل خوف وتوقير والطبيعة تعني الخيانة والتمرد.

العقود مع الأشخاص والأجانب:

يذكر بودان بعض الأشياء الأخرى -إلى جانب قوانين الله والطبيعة- التي تحد من سلطة الأمير صاحب السيادة، وتشمل هذه عقود الأمير مع رعاياه والأمراء الأجانب وحقوق الملكية للمواطنين والقوانين الدستورية (Leges imperii) للمملكة.

فيما يتعلق بالفرق بين العقود والقوانين كتب بودان أنّ الأمير صاحب السيادة يخضع للعقود العادلة والمعقولة التي أبرمها والتي يكون لرعاياه مصلحة في ملاحظتها، بينما تُلزم القوانين جميع الرعايا ما عدا الأمير، ويعتبر العقد بين أمير ذي سيادة ورعاياه ملزماً للطرفين ويلزم الطرفين بالمثل، لذلك ليس للأمير أي ميزة على الموضوع في هذا الشأن، ويجب على الأمير أن يفي بالعقود لثلاثة أسباب:

1- العدالة الطبيعية والتي تتطلب الوفاء بالاتفاقيات والوعود.

2- شرف الأمير وحسن نيته إذ ليس في أمير جريمة أكثر بشاعة من أن يكون زوراً بيمينه ووعده.

3- الأمير هو الضامن للاتفاقيات والالتزامات التي تقع على عاتق رعاياه مع بعضهم البعض، لذلك من الأهمية بمكان أن يقوم الأمير صاحب السيادة بإحقاق العدالة عن أفعاله.

القوانين الأساسية:

تمت مناقشة قانونين أساسيين (Leges imperii) في كتابه الجمهورية، الأول هو قانون ساليك أو قانون وراثة العرش، ويضمن قانون ساليك استمرارية التاج ويحدد الخليفة الشرعي، والقانون الأساسي الآخر هو قانون منع اغتراب الملكية والذي يسميه بودان القانون الزراعي في الميثودوس.

كما لاحظ فرانكلين: “كان من المفترض أن يتم تنحية المجال من أجل تزويد الملك بمصدر دخل سنوي يكفي عادة لتحمل تكاليف الحكومة”، وإذا كان المجال مستبعدًا فهذا يدل على دخل أقل للتاج وربما زيادة الضرائب على المواطنين، ويتم إلحاق القوانين الأساسية بالتاج وتوحيدها وبالتالي لا يمكن للحاكم ذي السيادة انتهاكها، ولكن إذا قرر الأمير القيام بذلك فيمكن لخليفته دائمًا إلغاء ما تم فعله للإضرار بالقوانين الأساسية للمملكة.

حرمة الملكية الخاصة:

أخيرًا استمد بودان من كل من القانون الطبيعي والعهد القديم أنّ الأمير صاحب السيادة لا يجوز له أن يأخذ الملكية الخاصة لرعاياه دون موافقتهم لأنّ هذا يعني انتهاك قانون الله والطبيعة، ويكتب: “الآن إذا لم يكن لأمير مقيد أن يزيل الحدود التي خصها الله القدير (الذي هو صورة حية ومتنفس) لقوانين الطبيعة الأبدية: فلا يجوز له أن يأخذ من رجل آخر ما له بدون سبب وجيه”.

الاستثناء الوحيد للقاعدة والأسباب العادلة التي يشير إليها بودان في هذا المقطع تتعلق بالحالات التي يكون فيها وجود الكومنولث ذاته مهددًا، وفي مثل هذه الحالات يجب تفضيل المصلحة العامة على الخاصة، ويجب على المواطنين التخلي عن ممتلكاتهم الخاصة من أجل ضمان سلامة الكومنولث واستمرار وجوده.

المقطع السابق هو واحد من بين العديد من المقاطع التي وصفها بودان الأمير صاحب السيادة بأنّه صورة الله الأرضية، أو ملازم الله لقيادة الرجال الآخرين، أو الشخص الذي منحه الله سلطانًا علينا، ومن هذا المبدأ المتعلق بعدم انتهاك حرمة الملكية الخاصة يستمد بودان أنّه لا يجوز فرض ضرائب جديدة على المواطنين دون موافقتهم.

الفرق بين شكل الدولة وشكل الحكومة:

يرى بودان أنّه لا يمكن تقسيم السيادة بل يجب أن تكون بالضرورة في شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص، وبعد أن أظهر أنّ السيادة غير قابلة للتجزئة يتحرك بودان لدحض الأسطورة السياسية المقبولة على نطاق واسع لعصر النهضة بأنّ النموذج البوليبيان للدولة المختلطة هو الشكل الأمثل للدولة.

أنواع الدولة في فلسفة بودان:

على عكس آراء بوليبيوس وأرسطو وشيشرون كتب بودان أنّ هناك ثلاثة أنواع فقط من الدولة أو الكومنولث:

1- الملكية حيث تُمنح السيادة لشخص واحد.

2- الأرستقراطية حيث تُمنح السيادة لأقلية.

3- الديمقراطية حيث السيادة منوط بكل الناس أو الأغلبية بينهم.

الدولة المختلطة:

إنّ إنكار بودان لإمكانية تقسيم السيادة يؤدي بشكل مباشر إلى استحالة وجود دولة مختلطة بالشكل الذي تصورها معظم المنظرين السياسيين في عصر النهضة، وبمساعدة الأمثلة التاريخية والحديثة وعلى الأخص من روما والبندقية أظهر بودان أنّ الدول التي كان يُعتقد عمومًا أنّها تمتلك نظامًا مختلطًا لم تكن كذلك حقًا.

على الرغم من رفض بودان فكرة وجود أكثر من ثلاثة أنواع من الكومنولث إلّا أنّه على استعداد لقبول وجود مجموعة متنوعة من الحكومات أي طرق مختلفة لحكم الدولة، وإنّ الطريقة التي تُحكم بها الدولة لا تغير شكلها أو هيكلها بأي حال من الأحوال، والمناقشة المتعلقة بالاختلاف بين شكل الدولة والحكومة موجودة في الكتاب الثاني.

ويشير بودان إلى أنّه على الرغم من أهمية السؤال إلّا أنّه لم يقم أحد من قبله بالتطرق إليه، وجميع الأنظمة الملكية والأرستقراطية والدول الشعبية إما متعسفة أو استبدادية أو شرعية (أي ملكية)، ويلاحظ بودان أنّ هذه ليست أنواعًا مختلفة من الكومنولث ولكنها طرق متنوعة لإدارة الدولة، فالملكية الاستبدادية هي التي ينتهك فيها الحاكم ذو السيادة قوانين الله ويضطهد رعاياه ويتعامل مع ممتلكاتهم الخاصة على أنّها ملكه.

يكتب بودان أنّه يجب عدم الخلط بين الملكية الاستبدادية والملكية المتعسفة، فالنظام الملكي الاستبدادي أو اللوردي هو المكان الذي يصبح فيه الأمير سيدًا للبضائع والأشخاص التابعين له، وبموجب قانون الأسلحة والحرب القانونية يحكمهم كالسيد لعائلة عبيده.

كما يرى بودان أنّه لا يوجد شيء غير لائق في أمير هزم أعداءه في حرب عادلة ويحكمهم بموجب قوانين الحرب وقانون الأمم، وأخيرًا الملكية أو الملكية الشرعية هي نظام يخضع فيه الأفراد لقوانين الأمير صاحب السيادة، والأمير بدوره يطيع قوانين الله والطبيعة، وذلك الحرية الطبيعية والحق في الملكية الخاصة مكفولان لجميع المواطنين.

على الرغم من أنّ معظم أمثلة بودان تتعلق بالنظام الملكي إلّا أنّه كتب أنّ: “نفس الاختلاف موجود أيضًا في الأرستقراطية والملكية الشعبية: فقد يكون أحدهما والآخر قانونيًا وعظيمًا وتيرانيكال كما قلت”، ويوصف بودان بأنّها آراء عبثية وخائنة والتي بموجبها دستور فرنسا هو مزيج من ثلاثة أنواع من الدولة: البرلمان الذي يمثل الأرستقراطية والديمقراطية العامة للعقارات والملك الذي يمثل الملكية.

المصدر: Jean Bodin (c. 1529—1596)Jean BodinBibliographie critique des &eeacute;ditions anciennes de J. Bodin, R. Crahay, M.-T. Isaac, and M.-T. Lenger, Gembloux: Académie royale de Belgique, 1992.Couzinet, Marie-Dominique, Bibliographie des écrivains français: Jean Bodin, Roma, Paris, Memini, 2001.Andrew, Edward, 2011, “Jean Bodin on Sovereignty”, Republics of Letters: A Journal for the Study of Knowledge, Politics, and the Arts.Aviles, Fernandez, Miguel, 1985, “La Censura Inquisitorial de Los seis libros de la Republica de Jean Bodin”, Hispania sacra.Barret-Kriegel, Blandine, 1985, “Jean Bodin, de l’empire à la souveraineté; de l’état de justice à l’état administratif”, Actes du colloque interdisciplinaire d’Angers (24–27 mai 1984).


شارك المقالة: