فلسفة بوذا في السببية ومبدأ التبعية

اقرأ في هذا المقال


لا يمكن التقليل من أهمية النشأة التابعة (paṭiccasamuppāda) فقد أدرك بوذا أعماله في ليلة تنويره، حيث أنّ الوعظ بمذهب التبعية الناشئة يرقى إلى التبشير بالدارما ومن يراه يرى دارما، كما تظل دارما الناشئة عن التبعية صالحة سواء كان هناك تماثيل بوذا في العالم أم لا، ومن خلال عدم فهمها فإنّ الناس محاصرون في دورة الولادة والموت، ويُقال أحيانًا أنّ عملية الأصل التابع هي قلب أو جوهر كل التعاليم البوذية، وما يتم وصفه في هذه العملية هو الطريقة التي يمكن أن تظهر بها المعاناة في حياتنا، والطريقة التي يمكن أن تنتهي بها.

طرق ظهور النشأة التابعة:

يمكن صياغة عقيدة النشوء التابع بطريقتين تظهران معًا عادةً وهما:

1- كمبدأ عام.

2- أو كسلسلة من الروابط السببية لتفسير نشوء المعاناة وتوقفها وعملية إعادة الميلاد.

المبدأ العام للظهور التابع ينص على أنّه: “عندما يكون هذا موجودًا يكون ذلك، حيث مع نشوء هذا الذي ينشأ، وعندما لا يكون هذا موجودًا لا يحدث ذلك، حيث مع وقف هذا أن يتوقف”، وعلى عكس المبدأ المنطقي للشرطية، فإنّ مبدأ الظهور التابع لا يشير إلى وجود صلة بين فكرتين بل علاقة وجودية بين شيئين أو حدثين في إطار زمني معين، ولا يعبر الظهور المعتمد عن فهم بوذا للسببية فحسب بل يعبر أيضًا عن نظرته للأشياء على أنّها مترابطة.

والنقطة الكامنة وراء الظهور التابع هي أنّ الأشياء تعتمد على ظروف معينة (paṭicca)، وأنّها تنشأ مع أشياء أخرى (samuppāda)، وبعبارة أخرى ينقل مبدأ الظهور التابع كلا من المشروطية الوجودية والنسبية التأسيسية للأشياء، ومع ذلك فإنّ هذه النسبية لا تعني أنّ كل شيء بالنسبة لبوذا في بالي نيكياس مترابط أو أنّ شيئًا ما مرتبط بكل شيء آخر، وهذا تطور لاحق للفكر البوذي وليس سمة من سمات البوذية الهندية المبكرة.

روابط السلسلة لظهور التابع:

تحتوي السلسلة الأكثر شمولاً للظهور التابع على اثني عشر رابطًا سببيًا:

1- الجهل.

2- التكوينات.

3- الوعي.

4- العقلية المادية.

5- الحواس الستة.

6- الاتصال.

7- الأحاسيس.

8- اشتهاء.

9- استيعاب.

10- أن تصبح.

11- ولادة.

12- شيخوخة وموت.

الصيغة الأكثر شيوعًا هي كما يلي: “مع 1 كشرط 2 (يأتي ليكون) حيث مع 2 كشرط 3 (يصبح)، وهكذا دواليك، على العكس من ذلك مع توقف 1 يأتي توقف 2 حيث مع توقف 2 يأتي توقف 3 وهكذا دواليك”.

من المهم أن يتم الوضع في الاعتبار أنّ هذه السلسلة لا تعني فهمًا خطيًا للسببية حيث يختفي الرابط السابق بمجرد ظهور الرابط التالي، وبالمثل لا ينبغي فهم كل من الروابط السببية على أنّها السبب الوحيد الذي ينتج الارتباط التالي، بل يجب فهمه باعتباره الشرط الأكثر ضرورة لظهوره، على سبيل المثال الجهل الرابط الأول ليس السبب الوحيد لعملية المعاناة بل هو السبب الأكثر ضرورة لاستمرار مثل هذه العملية، وبالنسبة لبوذا بالي نيكياس وكذلك للتقاليد البوذية اللاحقة فهناك دائمًا تعدد الأسباب والظروف في اللعب.

التفسير التقليدي لسلسلة النشأة التابعة:

يقسم التفسير التقليدي سلسلة الارتباط الاثني عشر من التابع الناشئة إلى ثلاثة حياة، حيث أول رابطين (الجهل والتشكيلات) ينتميان إلى الحياة الماضية وذلك بسبب سوء فهم طبيعة المجاميع الخمسة، ويقوم الشخص (المجاميع الخمسة) بأفعال طوعية حيث أفعال عقلية ولفظية وجسدية مع أفعال صحية وغير صحية وتأثيرات الكرمية المحايدة.

تتوافق العوامل العشرة التالية مع الحياة الحالية حيث يتم تخزين التأثيرات الكرمية للتكوينات الطوعية السابقة في الوعي ونقلها إلى الحياة التالية، ويتحد الوعي مع المجاميع العقلية الأخرى مع جسم مادي جديد ليشكلوا كائنًا نفسيًا فيزيائيًا جديدًا (العقلية – المادية)، وهذه المرحلة الجديدة من المجاميع الخمسة تطور الحواس الست والقدرة على الاتصال بأجسامها الستة.

ينتج عن الاتصال بأشياء الحواس أحاسيس ممتعة وغير سارة ومحايدة، وإذا كانت الأحاسيس ممتعة فعادة ما يستجيب الشخص برغبة شديدة في المزيد من التجارب الممتعة، وإذا كانت الأحاسيس غير سارة مع النفور، فالشغف والنفور وكذلك الجهل الكامن بطبيعة المجاميع الخمسة هي أسباب أساسية للمعاناة والولادة الجديدة، حيث أنّ الجذور الثلاثة للأذى وفقًا لبالي نيكياس أو السموم العقلية الثلاثة وفقًا للتقاليد البوذية اللاحقة.

من خلال تكرار الاستجابات العاطفية للشغف والنفور يصبح الشخص أكثر اعتمادًا على كل ما يؤدي إلى أحاسيس أكثر متعة وأقل مزعجة، وهذا يخلق مجموعة متنوعة من التبعيات العاطفية والميل إلى فهم أو التمسك بما يسبب المتعة وتجنب الألم، ويتحدث بوذا في بالي نيكياس عن أربعة أنواع من الإدراك: نحو الملذات الحسية والآراء والطقوس والاحتفالات وخاصة تجاه مذاهب الذات (الدائمة والمستقلة).

المصطلح الأصلي لإمساك هو (upādāna) والذي يعين أيضًا الوقود أو الإمداد الضروري لإشعال النار، وبهذا المعنى فإنّ الإمساك هو الوقود النفسي الذي يحافظ على نيران الرغبة والنفور والضلال وهي الحرائق التي يُطلق على انقراضها اسم نيرفانا، فلا ينبغي أن يساء فهم نموذج بوذا للتخلي عن الذات والانفصال على أنّه غياب أي مشاعر على الإطلاق بما في ذلك الحب والرحمة ولكن على وجه التحديد غياب المشاعر المرتبطة بالشغف والنفور والوهم.

بدافع من الإدراك والحرائق العقلية الثلاثة تؤدي المجاميع الخمسة مزيدًا من الإجراءات الطوعية، والتي تؤدي آثارها الكارمية إلى إدامة الوجود داخل دورة الولادة الجديدة والمعاناة اللاحقة، حيث يشير الرابطان الأخيران (الولادة والشيخوخة والموت) إلى الحياة المستقبلية، وفي نهاية هذا الوجود الحالي ستحدث ولادة جديدة من المجاميع الخمسة تليها الشيخوخة والموت وأنواع أخرى من المعاناة.

تشرح السلسلة المكونة من اثني عشر رابطًا للظهور التابع عمليات إعادة الميلاد والمعاناة دون افتراض وجود ذات دائمة ومستقلة، ويوضح بوذا في بالي نيكياس هذه النقطة بوضوح في دحضه العاطفي للراهب ساتي الذي ادعى أنّه نفس الوعي الذي يتجول خلال دورة الولادة الجديدة، وبالنسبة لبوذا فإنّ الوعي مثل الروابط السببية الإحدى عشرة الأخرى يعتمد على ظروف محددة والتي تستلزم أنّ الوعي غير دائم ومعاناة وغير ذاتي.

بدلاً من وجود ذات دائمة ومستقلة وراء المعاناة ودورة الولادة الجديدة يفترض بوذا في بالي نيكياس خمس مجموعات نفسية فيزيائية من العمليات أي المجاميع الخمسة والتي تنطوي على مفهوم غير دائم ونشأ بشكل مستقل عن الذات والشخصية.

بعبارة أخرى يرفض بوذا ذوات الجوهر ولكنه يقبل ذوات العمليات، ومع ذلك فإنّ بوذا في بالي نيكياس يرفض صراحةً استخدام المصطلحات الشخصية مثل (الذات) في التفسيرات التقنية للولادة الجديدة والمعاناة، ويفضل التحدث من حيث الأسباب والظروف التي تنتج أسبابًا وشروطًا أخرى، ولكن ماذا يحدث للوعي والتجمعات الأخرى عندما يختفي الإدراك ويتم إطفاء الحرائق العقلية الثلاثة؟ ماذا يحدث عندما تتوقف المعاناة وتتوقف دورة الولادة الجديدة؟

المصدر: Buddha (c. 500s B.C.E.)BuddhaAlbahari, Miri, 2006. Analytical Buddhism, Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2014. ‘Insight Knowledge of No Self in Buddhism: An Epistemic Analysis,’ Philosophers’ Imprint.Anālayo, Bhikkhu. 2018. Rebirth in Early Buddhism and Current research, Cambridge, MA: Wisdom. Gethin, Rupert, 1998. The Foundations of Buddhism, Oxford: Oxford University Press.


شارك المقالة: