مكانة الفيلسوفة بوفوار

اقرأ في هذا المقال


هناك بعض المفكرين الذين تم تحديدهم بشكل لا لبس فيه على أنّهم فلاسفة على سبيل المثال أفلاطون، وهناك آخرون مكانتهم الفلسفية محل نزاع إلى الأبد على سبيل المثال فريدريك فيلهيلم نيتشه، وهناك من نال تدريجياً الحق في الانضمام إلى الحظيرة الفلسفية، فسيمون دو بوفوار هي أحدى هؤلاء الفلاسفة المعترف بهم متأخرًا، فالتعريف عن نفسها كمؤلفة بدلاً من كونها فيلسوفة وتسمية نفسها القابلة لأخلاقيات سارتر الوجودية بدلاً من كونها مفكرة في حد ذاتها، وكان لابد من كسب مكانة بوفوار في الفلسفة مقابل كلمتها وهذا المكان الآن لا جدال فيه.

التعرف على بوفوار:

وجد البعض استبعاد بوفوار من مجال الفلسفة أكثر من كونه مسألة أخذ بوفوار في كلمتها، حيث إنّهم يعزون ذلك إلى وجهة نظر منهجية حصرية للفلسفة، والتي تجاهلت بصمتها للمنهجية الفلسفية للرواية الميتافيزيقية، والطرق التي أدرجت بها بوفوار الحجج الظاهرية والوجودية في أعمالها الأدبية، وبين أولئك الذين لم يتحدوا الصورة الذاتية لبوفوار وأولئك الذين لم يقبلوا فهمها للعلاقة بين الأدب والفلسفة، وأولئك الذين فاتتهم التوقيع الفريد لمقالاتها الفلسفية، فظلت بوفوار سيدة في الانتظار.

كما جادل البعض بأنّ القبول المتأخر لبوفوار في صفوف الفلاسفة هو مسألة تمييز على أساس الجنس لسببين:

1- الأول يتعلق بكون بوفوار امرأة، فتمت قراءة كتاباتها الفلسفية على أنّها أصداء لسارتر بدلاً من استكشافها لإسهاماتها الخاصة لأنّه كان من الطبيعي التفكير في المرأة على أنّها تلميذة لرفيقها الذكر.

2- الثاني يتعلق بحقيقة أنّها كتبت عن النساء، فالجنس الثاني المعترف به كواحد من أهم مائة عمل في القرن العشرين لن يُحسب كفلسفة لأنّه تعامل مع الجنس ونوع البشر، وهو بالكاد قضية فلسفية ملتهبة (هكذا قيل)، ويُظهر إدخال الموسوعة هذا مدى تغير الأشياء، حيث طال انتظاره وأصبح اعتراف بوفوار كفيلسوف مضمونًا الآن.

تحديد موقع بوفوار:

ولدت سيمون دي بوفوار في 9 يناير 1908، وتوفيت بعد ثمانية وسبعين عامًا في 14 أبريل 1986، وفي وقت وفاتها تم تكريمها كشخصية مهمة في النضال من أجل حقوق المرأة وككاتبة بارزة، وبعد أن فازت بجائزة جونكور الأدبية الفرنسية المرموقة عن روايتها الماندرين (1954)، واشتهرت أيضًا بكونها رفيقة الحياة لجان بول سارتر.

نشطت في المشهد الفكري الفرنسي طوال حياتها، ولاعبة مركزية في النقاشات الفلسفية في ذلك الوقت سواء في دورها كمؤلفة للمقالات الفلسفية والروايات والمسرحيات والمذكرات ومذكرات السفر والمقالات الصحفية وكمحررة في مجلة العصر الحديث (Les Temps Modernes)، ولم تكن بوفوار تعتبر فيلسوفة بحد ذاتها حتى وقت وفاتها.

كانت بوفوار ستقدر حقيقة أنّ وضعها الفلسفي الحالي يعكس فهمنا المتغير لمجال الفلسفة والوضع المتغير للمرأة، لأنّه يؤكد فكرتها عن الحرية الموضوعة، وهي قدرتنا على الفاعلية وصنع المعنى سواء أكان ذلك أم لا يتم تعريفنا على أننا وكلاء وصانعي معنى ومقيدون، على الرغم من عدم تحديدهم مطلقًا بوضعنا.

كما كانت ستقدر أيضًا حقيقة أنّه بينما كانت أعمالها مفيدة في إحداث هذه التغييرات، فإنّ تأثيرها الدائم هو تكريم للطرق التي اتخذها الآخرون لتراثها الفلسفي والنسوي، حيث لواحدة من مساهماتها الحاسمة في مفرداتنا الأخلاقية والسياسية هو مفهوم النداء، كما أنّ نجاح مشاريعنا يعتمد على مدى اعتمادها من قبل الآخرين.

وصفت بوفوار نقدها الظاهراتي والوجودي للوضع الفلسفي الراهن في مقالها عام 1946 بعنوان الأدب والمقال الميتافيزيقي، وفي مقالتيها في عامي 1965 و1966 ماذا يستطيع الأدب؟ (Que Peut la Littérature؟) وتجربتي في الكتابة (Mon Expérience d’écrivain)، حيث هذا النقد الذي تأثر به هوسرل وهايدجر ركز على أهمية التجربة المعاشة وعلى الطرق التي يتم بها الكشف عن معاني العالم في اللغة.

لجأ هايدجر إلى لغة الشعر من أجل هذا الوحي، بينما تحولت بوفوار وكامو وسارتر إلى لغة الرواية والمسرح، ولقد نظروا إلى هوسرل لتنظير دورهم في هذه الخطابات من خلال الإصرار على تأسيس تحليلاتهم النظرية في التفاصيل الملموسة للتجربة الحية، ولقد تطلعوا إلى هايدجر لتحدي الموقف المتميز للخطابات المجردة.

لكن بالنسبة لبوفوار  كان التحول إلى الأدب يحمل آثارًا أخلاقية وسياسية وفلسفية، حيث سمح لها باستكشاف حدود الاستئناف (نشاط دعوة الآخرين إلى تبني مشاريع سياسية)، ولتصوير إغراءات العنف، ولتفعيل أخلاقياتها الوجودية المتمثلة في الحرية والمسؤولية والفرح والكرم، وفحص الحميمية والتعقيدات في علاقاتنا مع الآخرين.

كان تحدي بوفوار للتقاليد الفلسفية جزءًا من مشروع الظواهر الوجودية، حيث كان تحديها للوضع الأبوي الراهن أكثر دراماتيكية، ولقد كان حدثًا، ومع ذلك لم يكن الأمر كذلك في البداية فقد اعتُبر الجنس الثاني عند نشره إهانة للآداب الجنسية أكثر من كونه اتهامًا سياسيًا للنظام الأبوي أو اعتبارًا ظاهريًا لمعنى المرأة.

أدركت النساء اللاتي عُرفن باسم نسويات الموجة الثانية ما فاته قراء بوفوار الأوائل، ولم يكن الهجوم على الآداب الجنسية هو ما كان يتم الاعتداء عليه بل كان الفحش الأبوي الذي كان قيد المحاكمة، وأعرب الجنس الثاني عن شعورهم بالظلم، وركزوا مطالبهم على التغيير الاجتماعي والسياسي والشخصي ونبههم إلى الروابط بين الممارسات الخاصة والسياسات العامة.

يبقى الجنس الثاني كتابًا مثيرًا للجدل، فلم تعد تُعتبر فضيحة جنسية ولا يزال تحليلها للنظام الأبوي والترياق المقترح لهيمنة المرأة موضع نقاش، ومع ذلك فإنّ ما لم يتم الطعن فيه هو حقيقة أنّ النسوية كما نعرفها تظل في دينها.

نظرًا لأنّ الجنس الثاني أصبح حافزًا لتحدي مواقف النساء فقد تم أيضًا إعادة تعيين مكان بوفوار السياسي والفكري. فيما يتعلق بالنسوية، وكانت هي نفسها مسؤولة عن التغيير، وبعد أن رفضت مرارًا الانضمام إلى الحركة النسوية أعلنت بوفوار نفسها نسوية في مقابلة عام 1972 في المراقب الجديد (Le Nouvel Observateur) وانضمت إلى النسويات الماركسيات الأخريات في تأسيس مجلة (FAQs féministes).

فيما يتعلق بالمجال الفلسفي فقد تطلب الأمر جهود الآخرين للحصول على مقعد لها على الطاولة، وعلى الرغم من أنّ بوفوار عرّفت نفسها مؤخرًا على أنّها نسوية، إلّا أنّها لم تطلق على نفسها اسم فيلسوفة، وأصرت على أنّ صوتها الفلسفي كان مجرد تفصيل لصوت سارتر، وهذا الإنكار المقترن بحقيقة علاقتها الحميمة التي استمرت طوال حياتها مع سارتر جعلها في نظر الجمهور والفلسفة بمثابة غروره المتغيرة.

أصبح فصل بوفوار عن سارتر الأولوية الأولى للمهتمين بتأسيس مؤهلاتها الفلسفية المستقلة، وكانت القضية تتعلق أحيانًا بأصالة سارتر: فهل سُرقت أفكار الوجود والعدم في عام 1943 من رواية هل جاءت بوفوار لتبقى؟ (Beauvoir’s She Came to Stay؟) عام 1943، كما كانوا يهتمون أحيانًا بمسائل التأثير في ماذا حدث في مناقشاتهم وانتقاداتهم لعمل بعضهم البعض؟

في النهاية خفت حدة هذه الحجج وتحول العلماء من الاهتمام الحصري إلى مسألة تأثير سارتر إلى مسألة التأثير الأكثر فائدة بالمعنى الأوسع، وبدأوا في تتبع الطرق التي تتبناها هي مثل معاصريها الوجوديين الظواهر، وأعادت تشكيل تراثهم الفلسفي ليعكس منهجيتهم المشتركة ورؤاهم الفريدة.

فنحن الآن نفهم أنّه لكي نقدر تمامًا التعقيدات الغنية لفكر بوفوار، ونحتاج إلى الاهتمام بحقيقة أنّ أطروحة تخرجها كانت عن لايبنيز، كما أنّ قراءتها لهيجل تأثرت بتفسيرات كوجيف، وأنّها تعرفت على هوسرل وهايدجر من قبل معلمتها باروزي، وأنّ ماركس وديكارت كانا شخصيات مألوفة في مفرداتها الفلسفية، وأنّ برجسون كان له تأثير مبكر على تفكيرها.

المصدر: Simone de BeauvoirSimone de Beauvoir (1908—1986)Beauvoir, Simone de. Adieux: A Farewell to Sartre. Translated by Patrick O’Brian. Harmondsworth: Penguin, 1986. English translation of La cérémonie des adieux (Paris: Gallimard, 1981).Beauvoir, Simone de. All Men are Mortal. Translated by Leonard M. Friedman. New York: W. W. Norton & Co., 1992. English translation of Tous les Hommes sont Mortels (Paris: Gallimard, 1946). Beauvoir, Simone de. All Said and Done. Translated by Patrick O’Brian. New York: Paragon House, 1993. English translation of Tout compte fait (Paris: Gallimard, 1972).


شارك المقالة: