من أمثال العرب - مصارع الرجال تحت بروق الطمع

اقرأ في هذا المقال


كل أمة من الأمم التي تحيا على هذا الكوكب لها موروثها الثقافي الذي يميزها عن غيرها من الشعوب، وذلك الموروث يعبّر بدوره ويصور الكثير من الأحداث والمناسبات، والتي حصلت خلال التاريخ، ولعل من أكثر أنواع التراث شهرة “الأمثال الشعبية” والحكم، ويقوم الناس باستخدام هذه الأمثال أو الحكم إذا مرّوا بظرف أو حدث مشابه للحدث الأصلي الذي قيلت فيه تلك الأمثال، فيعبرون عنه بمثل أو حكمة، وهكذا تبقى محفوظة، ويتداولها الناس جيلًا بعد جيل، مع إضافة ما استجد من أمثال تعبر عن أحداث الحاضر.

تعريف الأمثال:

المثل هو الجملة الفنية السائرة الشائعة التي تتسم بالإيجاز، والتي تُقال لتصور موقفًا أو حادثة ولتنتج خبرة إنسانية يمكن أن نستعيدها في موقف آخر مشابه له، مثل: “رب ساعٍ لقاعد” و “إياك أعني واسمعي يا جارة” و “إن البغاث بأرضنا يستنسر” و “رجع بخفي حنين” و “رب قول أشد من صول”، وقد عرّف العرب القدامى الأمثال وحددوا للمثل شروطًا، وهي أنه يجب أن يجتمع فيه إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية، وقد أكدوا كثيرًا على شرط السيرورة والشيوع، مشيرين إلى أهمية المثل التعليمية وإلى دوره وجانبه النفعي، وقد ارتبطت الأمثال بالاستدلال واستخلاص الحكمة والعظة.

أنواع الأمثال العربية:

تنقسم الأمثال العربية إلى ثلاثة أنواع، أولها: المثل الموجز، وهو المثل الذي ينطبق عليه التعريف السابق، وهو أول ما يتبادر إلى الذهن عند إطلاق لفظة المثل، ويدخل فيه الحكَم الموجزة التي شاعت حتى أصبحت أمثالًا مثل السرّ أمانة، العود أحمد، وقد أعذر من أنذر، وكما يدخل فيه أبيات الحكم كقول الشاعر: “أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني”، وقول الآخر: “المستجير بعمرو عند كُربته، كالمستجير من الرمضاء بالنار”، ويدخل في هذا النوع أيضًا الأمثال التي على وزن أفعل من، كقولهم: أجود من حاتم، أبلغ من سحبان، أعيا من باقل.

النوع الثاني هو المثل القياسي، وهو السرد الوصفي والذي يستهدف بيان الفكرة أو إثباتها عن طريق التشبيه والتمثيل، وهذا النوع يكاد يكون غير موجود في كتب الأمثال العربية القديمة، غير أنه موجود بشكل كبير في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾.

النوع الثالث هو المثل الخرافي، وهو الألفاظ الموجزة الشائعة، والتي سيّرها العرب على ألسنة الحيوان أو بنوها على حكايات خرافية نسجوها حوله، ومن ذلك قول الضب حين احتكم إليه الأرنب والثعلب حول تمرة: في بيته يُؤتى الحكم، وفيما يلي أقدم مثلًا من النوع الأول، مثل سائر هو: “مصارع الرجال تحت بروق الطمع”.

مثل “مصارع الرجال تحت بروق الطمع”:

يُحكى عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال: “ما الخمر صرفًا بأذهب لعقول الرجال من الطمع”، والفاروق أقواله قليلة، غير أنها تصيب كبد الحقيقة أما أفعاله فهي جليلة يعرفها القاصي والداني، إن الطمع يجعل الأغنياء فقراء، هذا ما حدث على مرِّ الدهور والعصور، ولا شيء يجعل بروق الطمع تبرق أمام العيون وتخطف الألباب مثل المال، وقد يقال: إن الطمع الذي يجعل الأغنياء فقراء، ويجعل الفقراء أغنياء أحيانًا، وهذا غير صحيح أبدًا، فالطمع يختلف جذريًا عن المخاطرة المدروسة المحسوبة، والتي لا يقامر صاحبها، ولا يستدين إلا في أضيق الحدود وأفضل الظروف وعساه يسلم، الطمع كله شر، فإذا جاء المرء باب طمع فليسدّه بباب يأس.

المصدر: الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة،حمزة بن حسن الأصفهاني،2000حدائق الحكمة"أقوال مأثورة من مدرسة الحياة"،نبيل أحمد الجزائري،2010الأمثال والحكم، محمد بن أبي بكر الرازي،2011أمثال وحكم،محمد ايت ايشو،2009


شارك المقالة: