مَنْ تَأنَّى نَالَ ما تمنَّى

اقرأ في هذا المقال


صاحِبُ هذا المثل

وجهٌ أنَدلسيٌّ من أعلامِ وعلماءِ بلادِ الأندلس؛ إنّهُ ابنُ رُشد الأندَلُسي، وهوَ أبو الوليدِ محمد بن أحمد بن رشد (الحفيد)، ولد في (قُرطُبَة)إحدى ممالكِ الأندلس سنة ١١٢٦م. وهو أحَد كبارِ الفَلاسِفةِ في الحَضارةِ العربيّةِ الإسلاميّة، وهو شَخصيَّةٌ عِلميّةٌ مُسلِمة متعددة التّخصُّصات؛ فهو فيلسوفٌ، وفقيهٌ، وطبيبٌ، وفلكيّ، وقاضي، وفِيزيائيّ عربيّ. وكانت أُسْرتَهُ؛ أسرةً بارزةً في الأندلسِ، مَارسَت الزَّعامة الفِقهيّة والفَتوى، حيث كان جَدّه المعروف باسمِ “ابن رشدِ الجَدّ”، شيخ المالكيّة، وإمامِ جامع قُرطُبة، خَدمَ ابن رشد في بلاطِ ‘خِلافة المُوَحّدين’ في الاندلس، حيث تولَّى القضاء في إشبيلية، ثم في قرطبة، ثم استدعاهُ (الخليفة الموحّدي أبو يعقوب) إلى مَرّاكِش وعَيّنَهُ طبيباً له، وقاضياً في قرطبة، توفي ابن رشد سنة ١١٩٨م في مراكش ودفن فيها، وبعد ثلاثة أشهر نقل جثمانه إلى قرطبة.


العَجَلة فِطْرَة في الإنسَان

فِطرةٌ جُبِلَت في الإنسان، هي العَجَلة فهي طَبعٌ في كثيرٍ من الناس، حيث قال تعالى:﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ يعني طَبْعهُ العجلة في الأمر، فهو عَجُولٌ في كُلّ شيء، فهو الذي يَستعجل حتّى الهَلاك، وقد قال عنه الله تعالى في كتابه العزيز:﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾

فالعَجُول نَراهُ كثيرَ الوُقوعِ في الأخطاءِ، قليلُ التَّقدير لعواقبِ الأمُورِ التي سَيؤولُ إليها بعدَ كلامهِ أو فعلهِ.

ولقد سَمِعنا من كلامِ الحُكماء: «إيّاكَ والعَجَلة، فإنها تُكنَّى بأمِّ النّدامة، لأنَّ صَاحبهَا يقولُ قبلَ أنْ يَعلَم، ويُجيبُ قبل أنْ يَفْهَم، ويَعزمُ قبلَ أنْ يُفكّر، وما كانت هذه الصِّفةُ في أحَدٍ، إلّا صَحِبَتْهَ النّدامَة، وَجَانَبَ السّلامة».

أمثِلَة عن التَّعَجُل

وإذا نظرنَا إلى العَجَلة فإنّنا نراها حتى في الأنبياءِ والرّسل، وهم أكْرَمُ الخلقِ على الله. ألَمْ تسمع بقصّةِ موسى عليه السلام والخِضْرِ وكيف أنَّ اسْتعجَال سيدنا موسى عليه السلام فَوَّتَ عليه وعلينا معرفةَ المزيدِ مِمّا يَفعلهُ الخضِر عليه السلام، حتى إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما أخرجه البخاري: «وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا».
ولَعلّكَ سَمِعتَ بقصةِ هَاجَر عليها السّلام، وابنهَا إسماعيل عندَ ظُهُورِ ماء زمزم تحْتَ قدَميّ ابنها النّبي إسماعيل فأسرَعَت تَحوطُ عليه التُّراب حتى لا يَنْشَف أو يَغُور في الأرض، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يَرحم الله أمَّ إسماعيل لو تَرَكَت زَمزم، أو قال: لَو لَمْ تَغرِفْ من الماء)، وفي رواية: (لولا أنّها عَجِلَت لكانت زمزم عَيناً مَعيناً)، يعني: ظاهراً يجري على الأرض لا يحبسه شيء، لكانت نهراً عامراً ظاهراً يجري فوق الأرض. فكان من عجَلَتِها أنْ صار زمزم بِئراً في باطنِ الأرض.

ولهذا دعا النبي _ صلى الله عليه وسلم _، إلى الأنَاةِ وعدم التعجُّل، في أكثرِ من حديث فقال: «الأَنَاةُ مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ».
إنَّ العَجول في تَعجُّلهِ لا يُدْرِكُ حَاجتَهُ، ويكون مع المُسْتَعجِل الزَّلَل والخطأ ويكون متسرّعاً في الحُكمِ على الأمور من غيرِ وقُوفٍ على حَقيقتِهَا وظُروفهَا. إنَّ العَجلَة تُفْقِدُكَ أحياناً هَيبَتكَ بين النّاس في طلبِ أمورٍ ليست من حقّكَ، أو حُكْمكَ على أشياءٍ، رُبّما لا تَكون في صَالِحك. لذلك هذهِ الصِّفة(الإستعجال أو العَجَلَة)، صفة مَذْمُومة تُوقِعكَ أحياناً في المهَالِكِ؛ وَضِدُّها وهي(الأَنَاة أو التّأنّي) صفة يُحبُّها الله تعالى في الإنسانِ المُسلم، فعندما خاطب الرسول _ صلى الله عليه وسلم _، أشجَّ عبد القَيسِ، وهو المُنذر بن الأشَجِّ العصري، وهو سيّدُ قومهِ، فقال له:( إنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةْ).

وكان من نصائحِ الوزيرِ البَرمكيّ؛( يحيى بن خالد البَرمَكيّ) وزير هارون الرّشيد، الذي أوصَى إبنه جعفراً فقال: «لا تَرُدَّ على أحدٍ جَواباً حتى تَفهمَ كلامَه؛ فإنَّ ذلكَ يَصرفكَ عن جَوابِ كَلامهِ إلى غَيره، ويُؤكِدُ الجَهلَ عَليك، وَلكِن افهَمَ عنه، فإذا فَهمْتَهُ فأَجِبْه، ولا تَتَعجّلْ بالجوابِ قبلَ الإستِفهام، ولا تَسْتَحِ أن تَسْتفهِمَ إذا لَمْ تَفهَم؛ فإنَّ الجوابَ قبلَ الفَهمِ حُمْقٌ».

أختمُ بالقولِ بأنَّ العَجَلة مذْمُومَة، وهي من الشّيطانِ، والشيطانُ خُلقَ من نَارٍ، والنّار طَبْعهَا الخِفّةُ والطَّيشُ والثّوَرَان؛ ولكنّها(العَجَلة) في خَمسٍ فإنها من سُنِة رسول الله _ صلى الله عليه وسلم_، كما قال حاتمُ الأصمّ؛ والخَمْسُ هي”إطعامُ الطّعامِ، وتَجهِيز المَيت، وتَزويج البِكْرِ، وقَضاءُ الدَّيْنِ، والتوبة من الذنب”.


شارك المقالة: