النموذج العضوي والبنائي الوظيفي في علم الاجتماع

اقرأ في هذا المقال


النموذج العضوي والبنائي الوظيفي في علم الاجتماع:

يعد التقليد بتشبيه المجتمع بالكائن الحي تقليداً قديماً في الفكر الاجتماعي، فقد تحدث أفلاطون عن وجود ثلاثة عناصر أساسية للكائن العضوي وهي المخ والقلب والمعدة، ويقابلها ثلاثة طبقات اجتماعية داخل المجتمع، هي طبقات الحكم والجند والشعب.

رأي الفارابي في النموذج العضوي والبنائي الوظيفي في علم الاجتماع:

كذلك فقد ذهب الفارابي في كتابه عن سداد أهل المدينة الفاضلة، إلى أن المدينة الفاضلة تشبه البدن الصحيح الذي تتعاون أعضاؤها كلها في سبيل الحفاظ على حياته، ويصف الفارابي وظائف الجسم فيقول، وكما أن أعضاؤها مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى، وفيها عضو واحد رئيسي هو القلب، وأعضاء تقترب مراتبها من ذلك الحاكم.

وكل فرد جعلت فيه بالطبع سيطرة يفعل بها فعله لطلب لما هو أهداف هذه، التي ليس بينها وبين الحاكم محسوبية، فهذه في المرتبة الثانية، وأعضاء أخرى تفعل الأفعال على حسب هدف هؤلاء الذين في المرتبة الثانية، ثم هكذا تنتهي أقسامها المتنوعة الفطرة، متفاضلة إلى أعضاء تخدم ولا تحكم بالأساس، فكذلك المدينة الهيئات.

رأي ابن خلدون في النموذج العضوي والبنائي الوظيفي في علم الاجتماع:

ويمكننا إدراج ابن خلدون تحت هذا النموذج، حيث أشار في أحد فصول مقدمته بعنوان، أن الحضارة هدف العمران، إلى أن العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقه له عمر محسوس، وقد حدد عمر الدول بثلاثة أجيال على أساس أن الجيل أربعون عاماً، فالجيل الأول يتسم بالبداوة والخشونة والعصبية، ثم يأخذ الجيل الثاني في التغير إلى الحضارة والترف، أما الجيل الثالث فإنه يركن تماماً إلى الترف والرفاهية، فإذا جاء المطالب لا يستطيعون مدافعته وهنا يفتقر صاحب الدولة إلى اللجوء إلى المولى وأحل النجدة حتى يأذن الله بانقراضها.

كذلك فقد ظهرت فكرة المماثلة بين المجتمع والكائن العضوي في الفكر الاجتماعي السابق واللاحق على كونت فقد استخدمها هربرت سبنسر في إنجلترا و دور كايم في فرنسا.

واستطاعت هذه الفكرة أن تمارس أثراً واضحاً على رواد الفكر الأنثروبولوجي في بريطانيا مثل راد كلف بروان، ومالينوفسكي، يضاف إلى أن تلك الفكرة كان لها دور كبير في تشكيل الاتجاه الوظيفي في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة عند أتباع تالكوت بارسونز.

وهناك بعض الاختلاف بين أتباع النموذج العضوي أو البنائي الوظيفي في علم الاجتماع سواء من حيث نقاط التركيز، أو من حيث شدة تبنى قضية المماثلة أو من حيث التفسير السوسيولوجي لهذه الفكرة، وتتضمن الفكرة الرئيسية للاتجاه البنائي الوظيفي في التركيز على البناء الاجتماعي والعلاقات المتبادلة أو التساند الوظيفي بين النظم الاجتماعية.

ويحاول أنصار هذا الاتجاه الإجاية على السؤال التالي، كيف تستمر الحياة الاجتماعية عبر الزمن على الرغم من تغير أعضاء المجتمع جيلاً بعد جيل، ويجمع أنصار ذلك الاتجاه على أن استمرار الحياة الاجتماعية داخل أي مجتمع يتحقق عن طريق قيام المجتمع بخلق مجموعة من الوسائل أو البناءات التي يمكن من خلالها تحقيق الحاجات أو أداء الوظائف، فهناك بناء معين للأسرى يؤدي وظيفة إشباع الحاجة إلى الجنس والإنجاب والتنشئة الاجتماعية، وهناك بناء معين للاقتصاد يحقق وظائف الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، وهكذا الأمر بالنسبة لضبط استخدام القوة داخل المجتمع وممارسة القيادة والتنظيم السياسي، وتنظيم علاقة الفرد والجماعة بالكائنات الروحية أو بالمقدس.

ويشير بعض الباحثين مثل إنكلز إلى أن الاتجاه الوظيفي لا يتناقض مع الاتجاه التطوري، وإن كان يختلفان من حيث مجال الاهتمام ونقاط التركيز، فالمنظور التطوري والوظيفي قد اجتمعا داخل نظريات بعض رواد علم الاجتماع، ففكرة كونت من الديناميكا الاجتماعية تعبر عن منظور تطوري، بينما تعبر فكرته عن الإستاتيكا الاجتماعية عن منظور وظيفي.

ويهتم أنصار النموذج التطوري بتصنيف المجتمعات على سلم تطوري معين، كما أنهم يركزون على البعد الزمني والبعد التغيري، أما أنصار النموذج الوظيفي فإنهم أقل اهتماماً بهذين البُعدين؛ ذلك ﻷنهم يحاولون تفهم كيفية أداء المجمع لوظائفه على مستوى الزمن الحاضر أو على المستوى الإستاتيكي بمفهوم كونت.

الاختلاف بين المدخل التطوري والوظيفي في علم الاجتماع:

ويمكن أن تفهم الاختلاف بين المدخليين، التطوري والوظيفي، إذا ما حاولنا دراسة نظام معين كالنظام الأسري أو الاقتصادي أو السياسي أو الديني، فأنصار المدخل التطوري يحاولون الوقوف على مراحل تطور هذا النظام عبر التاريخ، إلى جانب معين مجموعة العمليات التي أسهمت في تحديد شكل ومضمون النظام القائم بالفعل داخل المجتمع.

أما أنصار الاتجاه الوظيفي فإنهم يركزون على الكشف عن الدور الوظيفي الذي يؤديه هذا النظام داخل البناء الاجتماعي للمجتمع، وعن العلاقات التفاعلية والتساند الوظيفي بين هذا الدور وبين أدوار وظائف النظم الأخرى، داخل نفس المجتمع وهكذا يقل اهتمام أنصار المدخل الأخير بالبعد الزمني والتغيري على عكس أنصار المدخل التطوري.

المصدر: مناهج البحث العملي، محمد الجوهري.محاضرات في تصميم البحوث، محمد سعيد فرح.علم الاجتماع الريفي، غريب سيد أحمد.أصول البحث الاجتماعي، عبد الباسط حسن.


شارك المقالة: