مفهوم الجهل التعددي في علم النفس:

 

مفهوم الجهل التعددي في علم النفس هو مصطلح ابتكره فلويد ألبرت ودانيال كاتز في الثلاثينيات من القرن الماضي، ويصف موقفًا يكون فيه لأفراد المجموعة قيمة أو معتقدًا يختلف عما يعتقدون أن قيم أو معتقدات بقية المجموعة، حيث أن هذا المفهوم الخاطئ لقيم الآخرين يجعل أعضاء المجموعة يتصرفون بطرق تختلف عما يؤمنون به، أي ان مفهوم الجهل التعددي هو خطأ منهجي في تقديرنا لمعتقدات الآخرين، فنحن نخمن في معتقدات أعضاء المجموعة وقواعدهم بناءً على ملاحظاتنا وتخميننا خاطئ.

 

يحدث الجهل التعددي عندما يستنتج الناس خطأً أنهم يشعرون بشكل مختلف عن أقرانهم، على الرغم من أنهم يتصرفون بشكل مشابه لهم، على سبيل المثال تخيل الشخص أنه جالس في قاعة محاضرات كبيرة يستمع إلى محاضرة معقدة بشكل خاص، وبعد عدة دقائق من المواد غير المفهومة، يتوقف المحاضر ويسأل عما إذا كان هناك أي أسئلة، ولا يرفع الأيدي، بالتالي يقوم هذا الشخص بالنظر حول الغرفة.

 

والتساؤل هل يمكن لهؤلاء الأشخاص من الطلاب أن يفهموا حقًا ما يتحدث عنه المحاضر؟ ومنها يشعر بنفسه ضائع تمامًا، ويمنعه خوفه من أن يبدو غبيًا من رفع يده لإبداء أي ملاحظة، ولكن عندما ينظر حول الغرفة إلى زملاءه في الفصل الدراسي، فإنه يفسر سلوكهم المماثل بشكل مختلف، فهو يعتبر فشلهم في رفع أيديهم علامة على أنهم يفهمون المحاضرة بشكل أفضل، وأنهم حقا ليس لديهم أسئلة.

 

حالة أخرى من مفهوم الجهل التعددي مألوفة للعديد من طلاب الجامعات تتعلق بالسلوك السلبي في الحرم الجامعي مثل التدخين، حيث ينتشر السلوك السلبي في معظم الكليات والجامعات، حيث أن الطلاب غالباً يقومون بمثل هذه السلوكيات في فترات الاستراحة وأحيانًا في فترات الراحة الدراسية المسائية.

 

حيث تكون بعض هذه السلوكيات السلبية مفرطة وبعضها على أساس روتيني، إن الرؤية العالية للسلوك السيء المفرط في الحرم الجامعي جنبًا إلى جنب مع إحجام الطلاب عن إظهار أي علامات عامة للقلق أو الرفض لها، تؤدي إلى حصول مفهوم الجهل التعددي، أي يظن التلاميذ أن زملائهم في الفصل الدراسي أكثر راحة مع هذا التصرف السلبي مما يحسون به.

 

ببساطة يحدث مفهوم الجهل التعددي في علم النفس عندما يعتقد أفراد مجموعة مثل مدرسة أو فريق أو مكان عمل أو مجموعة من الأصدقاء أن الأفراد الآخرين في مجموعتهم لديهم مواقف أو معتقدات أو سلوكيات متطرفة أكثر أو أقل، وذلك عندما يحمل العديد من أعضاء أي مجموعة نفس المفهوم الخاطئ عن قاعدة المجموعة، حيث يتوقف هذا المعيار عن تمثيل المعتقدات والمواقف المركبة الفعلية للمجموعة.

 

بعبارة أخرى هناك ما يعرف بفعل ومعيار المجموعة الذي يتألف من متوسط ​​المواقف والمعتقدات والسلوكيات الفعلية لجميع الأفراد في المجموعة والقيم خاصتهم، وهناك معيار مدرك في الإدراك العقلي والحسي وهو افتراض التطرف على مستوى المجموعة في مواقف ومعتقدات وسلوكيات أعضاء المجموعة الآخرين.

 

مفهوم الجهل التعددي والديناميات الاجتماعية في علم النفس:

 

يلعب مفهوم الجهل التعددي دورًا في العديد من الديناميكيات الاجتماعية المختلة الأخرى، بالإضافة إلى الحالات التي سبق ذكرها ربط الباحثين مفهوم الجهل التعددي بفشل المتفرجين في التدخل في حالات الطوارئ، حيث يدرك المارة أن تقاعسهم عن العمل مدفوع بعدم اليقين والخوف من فعل الشيء الخطأ، ومع ذلك فإنهم يعتقدون أن المارة الآخرين لا يتدخلون لأن هؤلاء الآخرين استنتجوا أن الوضع ليس حالة طارئة وليس هناك حاجة للتدخل.

 

يعمل مفهوم الجهل التعددي أيضًا كعائق أمام تكوين علاقات جديدة للفرد، مثل الشخص الذي لا يكون صداقات ويبقى منفرد وذلك لاعتقاده أنه سيلقى الرفض من غيره من الأصدقاء المحيطين به سواء في المدرسة أو الكليات أو العمل، ويمكن افتراضه أن هؤلاء الأصدقاء لا يقتربون منه كخطوة أولى لأنهم غير مهتمين به.

 

في هذه الحالة فإن مفهوم الجهل التعددي في علم النفس بدلاً من عدم الاهتمام، هو الذي يبقي هذا الشخص وغيره من الأصدقاء منفصلين، بالتالي يمنع مفهوم الجهل التعددي الممرضات من الاعتراف بضغوط وظائفهم ومهامهم، وحراس السجن من إظهار التعاطف مع سجنائهم، وأعضاء مجلس إدارة الشركات والمؤسسات المهنية من الاعتراف بمخاوفهم بشأن استراتيجية الشركة والأزمات المهنية، ويمنع المواطنين العاديين من الاعتراف بمخاوفهم بشأن السياسة الخارجية لحكومتهم، أي أن مفهوم الجهل التعددي هو ديناميكية شائعة جدًا في الحياة الاجتماعية.

 

كيف يقاس مفهوم الجهل التعددي في علم النفس؟

 

يمكن ملاحظة التناقض الخاص بمفهوم الجهل التعددي في علم النفس في المواقف من خلال سؤال مجموعة من المشاركين عن مواقفهم الشخصية ومعتقداتهم حول موضوع ما وكذلك سؤالهم عن متوسط ​​موقف أو معتقد المجموعة حول نفس الموضوع.

 

بعد ذلك يتم تجميع موقف الجماعة الفعلي من خلال حساب متوسط ​​المواقف الفردية لجميع أعضاء المجموعة، حيث أنه لالتقاط هذا المعيار الفعلي بدقة، سنحتاج إلى عينة تمثل بدقة مجموعة الاهتمام، حيث أنه إذا كان هناك جهل تعددي في العمل مثلاً فإن موقف المجموعة الفعلي هذا سيختلف بشكل كبير عن متوسط ​​موقف المجموعة الذي أبلغ عنه المشاركين أي المتصور المعياري.

 

بالتالي تختلف القاعدة المتصورة عن القاعدة الفعلية لأنها تتعلق بما يعتقد الناس أنه معيار، وليس ما هو المعيار في الواقع، وإذا كانت القاعدة المتصورة مختلفة بشكل كبير عن القاعدة الفعلية، فإن مفهوم الجهل التعددي موجود فيما يتعلق بهذا المعيار الموجود في الأصل.

 

عواقب مفهوم الجهل التعددي في علم النفس:

 

يتوافق مفهوم الجهل التعددي بمجموعة كبيرة من العواقب السلبية، على سبيل المثال ينظر كل شخص يقع تحت الجهل التعددي لنفسه كجزء سلبي في جماعته الخاصة؛ حيث أنه يعتبر نفسه أقل فهم من أصدقائه في الحقيقة، وأكثر تعصب ذهنياً من أصدقائه، وأقل التزامًا من زملائهم في العمل المهني الوظيفي، وأقل كفاءة من غيرهم في جميع المواقف، وهذا يمكن أن يجعلهم ذوي إحساس سيء تجاه أنفسهم وقدراتهم وينفرون من فريقهم أو المؤسسة التي هم جزء منها.

 

بالإضافة إلى ذلك يمكن لمفهوم الجهل التعددي أن يوجه كل فريق محدد إلى الاستمرار في القواعد والقوانين والإنجازات التي فقدت توجيهاً كبيراً، وهذا يمكن أن يؤدي بتلاميذ الجامعات إلى تواصل القيام في السلوك السلبي بكثرة، والمؤسسات إلى الاستمرار في فشل الأساليب والأداء، والمجتمعات إلى الاستمرار في الأسس والمعايير الخارجية غير المباشرة، في الوقت نفسه يمكن أن تمنع السلوك الجمعي من اتخاذ القرارات التي قد تعتبر ذات أهمية في المستقبل.