يعمل نظام الأسرة كشركة تأمين تتحمل كافة المسؤوليات في وقت الشيخوخة والبطالة والمرض، وبنظام الأسرة يتم إنقاذ أفراد الأسرة من قلق الغدّ المزعج، ولقد جلب الإسلام للبشرية نظامًا عائليًا يجمع بين السمات الجيدة للنظام الأسري وأزال الجوانب السيئة لها، ويتمتع الإسلام بإعطاء الاستقامة القانونية لنظام الأسرة المنفصلة، وكذلك الانسجام والتعاطف في نظام الأسرة المشتركة.

 

نظام الأسرة المنفصل والمشترك

 

هناك العديد من المميزات والعيوب لنظام الأسرة المشترك، فنظام الأسرة المشتركة هو مثال جيد جدًا على الإنسانية والإحسان والثقة المتبادلة والتعاون، وأعضاء العائلة أو العشيرة هم فروع من نفس الجذر، ومن الطبيعي أن يظلّوا مُتّحدين في إدارتهم المنزلية وحياتهم الأسرية، ومن المتوقع أن يخلق هذا العمل الجماعي السعادة وراحة البال.

 

ويضمن هذا النظام المشترك أن أفراد الأسرة الذين لا يستطيعون كسب عيشهم لأي سبب من الأسباب، لا يواجهون العَوز والفقر، وبالتالي يتم تجنيبهم الجوع والعَوز.

 

وإن نظام العائلة المشتركة يوجد به العديد من المواصفات التي تتميز بها، ومن المفارقات أن هذه المزايا بالذات تؤدي إلى عيوبها، فراحة البال التي يوفرها هذا النظام في بعض الأحيان يمكن أن يُساء استخدامها من قِبل بعض الأشخاص.

 

فإذا كان أحد أفراد الأسرة كسولًا، فإنه يجد سهولة كافية للعيش على ثمار عمل الآخرين؛ لأنه لم يدرك أبدًا أهمية كسب رزقه، وبمجرد أن يكتسب مثل هذا السلوك، سيجد العديد من الأعذار لتجنب العمل، فلماذا يجب أن يجتهد في حين أن هناك أقارب آخرين مستعدين لتحمل عبئه على أكتافهم من وجهة نظره.

 

ويجب أن يدرك الفرد في نظام الأسرة المشتركة أنه لا يمكن استغلال الآخرين بهذه الطريقة، وإذا لم يتم ذلك فلن يبذل المرء جهدًا حقيقيًا لكسب قوته، ولن يخجل من حياته غير المُجدية، مما يجعل نظام الأسرة المشتركة يقتل مبادرة العمل بجدية أكبر.

 

مثلًا في نظام الأسرة غير المشتركة إذا بذل الرجل نفسه لأقصى جهده، وبالتالي يكسب أكثر فإن مستوى معيشته بطبيعة الحال سيكون أعلى بكثير من الشخص الذي يكسب أقل، وإذا كان الرجل يكسب ضعف ما يكسبه أخيه، فإن الفطرة السليمة تقول أن مستويات معيشتهم يجب أن تكون مختلفة وفقًا لذلك، ولكن نظام الأسرة المشتركة لا يسمح بذلك، ويموت الدافع إلى بذل المزيد من الجهد وكسب المزيد.

 

وأخطر عيب في نظام الأسرة المشتركة هو أنه بدلاً من خلق الانسجام والمحبة والثقة في الأسرة، كما يُفترَض أن يكون، فإنه يصبح السبب الرئيسي للنزاع الداخلي، عندما يعمل الرجل بجد لتغطية نفقات الأسرة المشتركة بينما يقضي شقيقه وقته في التجول في الشوارع بلا هدف، أو عندما يبذل نفسه لكسب أكبر قدر ممكن من المال، بينما يتخلى الأخ عن فرصه في التقدم للعمل، فإن المشاكل الناتجة في العلاقات الأسرية تفوق الوصف.

 

ويبدأ أفراد الأسرة في كُره بعضهم البعض، وتشتعل المشاكل بأدنى شيء، والريبة والغضب والبغضاء تأتي مَحل الثقة والحب والسعادة في هذه الأسرة، ويتحول جو المنزل تدريجياً إلى جحيم حي، ثم يأتي وقت يبقى فيه الانفصال هو العلاج الوحيد.

 

ونظام الأسرة المنفصلة لها العديد من المميزات والعيوب كذلك، لكن لا يعاني نظام الأسرة المنفصلة من العيوب المذكورة في نظام الأسرة المشتركة، كما أنه لا يتمتع بمزايا الأسرة المشتركة، وإن البقاء بمَعزل عن الأقارب من المرجح أن يقتل أرقى الغرائز البشرية، وقد يولد هذا نظام الأسرة المنفصلة الأنانية واللؤم، ونظام الأسرة المنفصلة يُحوّل الإخوة إلى غرباء بسبب البُعد والانفصال في الهموم والمشاكل، وقد يجتمع الإخوة عدة مرات في اليوم، لكنهم لا يهتمون ببعضهم البعض.

 

النظام السليم للمجتمع الإسلامي

 

إن الإسلام قد وضع طريقاً مستقيماً إلى الأمام بمهارة تجعل الرجل الذي يمشي عليه يتمتع براحة في نظام الأسرة، لقد أزال الإسلام السبب الأساسي للخمول بإقرار أن كل شخص مسؤول عن نفقات من يعولهم، ليس له الحق في تحميل عبء أطفاله على أكتاف الأقارب الآخرين، ومن هذا تمّ تجنب الآثار السيئة لنظام الأسرة المشتركة، وفي الوقت ذاته كان الجميع مُلزمًا بشكل قاطع بالحفاظ على رباط العلاقة سليمًا، وهذا منع الشخص من الأنانية والابتعاد عن الحسد.

 

وهناك مجموعة من النفقات الواجبة على الرجل سواء كان غنيًا أو فقيرًا، وعليه فإن هناك خمس أوجه توجب الإنفاق على الرجل هي نفقة من يعوله، (أولاده، وأبيه وأمه، وزوجته، وعبده)، أما إذا كان ميسورًا، فقد أوجب عليه الإسلام وبشدّة أن ينفق على أقاربه الآخرين أيضًا.

 

يجب أن لا يتعجب المرء كيف دمج الإسلام التعاطف الأسري والنظام الأسرة المشتركة مع النظام القانوني ونظام الأسرة المنفصلة، ولا مَفر من الاعتراف بأن مثل هذا النظام الأسري الجميل والمثالي لا يكون إلا في الإسلام.

 

وحثّ الإسلام على نظام الأسرة المنفصلة؛ لما لها فوائد في المحافظة على خصوصية الفرد والحرية في المنزل، لكن نظام الأسرة المشتركة لا يسمح بالالتزام بهذه الأمور المهمة، حيث لا تستطيع الزوجة المحافظة على حريتها بالتنقل في البيت، وإذا أخذت حريتها في نظام الأسرة المشتركة تكون قد خرجت عن الحدود الآمنة للوصية الإسلامية.