جميع الشعوب التي عاشت على أطراف هذه الأرض، تمتلك ميراثًا ثقافيًّا يخصها، وهو يجعلها تتفرد به عن غيرها، وهو بدوره يعبّر عن الكثير من الوقائع والمناسبات، التي حصلت خلال التاريخ، ولعلّ من أكثر أنواع التّراث شهرة “الأمثال الشعبية” والحكم، ويقوم الناس باستخدام هذه الأمثال أو الحكم إذا مرّوا بظرف أو حدث مشابه للحدث الأصلي الذي قيلت فيه تلك الأمثال، فيعبرون عنه بمثل أو حكمة، وهكذا تبقى محفوظة، ويتداولها الناس جيلًا بعد جيل مع إضافة ما استجد من أمثال تعبّر عن أحداث الحاضر، والمثل الذي بين أيدينا هو: “أظنّ ماءكم هذا ماء عناق”.

 

فيم يضرب مثل: “أظنّ ماءكم هذا ماء عناق”؟

 

يزخر تراث العرب بالحكم والأمثال، فمنها ما ورد في بيت شعري قديم فصار مثلًا، ومنها ما جاء في صورة نصيحة وحكمة فصار مثلًا، وهي على الأغلب كانت حصادًا لمواقف متفرقة، وما سار على ألسنة الناس مثلًا، تداولته الأجيال حتى عصرنا الحالي، ومثل: “أظنّ ماءكُم هذا ماء عناقٍ”، هو من تراث العرب الأصيل، وهو يُضرب في دواهي النّاس.

 

ما حكاية مثل: “أظنّ ماءكم هذا ماء عناق”؟

 

أمّا قصة مثل: “أظنّ ماءكم هذا ماء عناق”، فقد كان ممّا تداوله أهل اللغة في كتب الأمثال عنه أن رجلًا كان يستقي، وبيته تلقاء وجهه فنظر، فإذا هو برجل معانقًا امرأته يقبّلها، فأخذ العصا وأقبل مسرعًا لا يشكّ فيما رأى، فما إن رأته امرأته، حتّى جعلت الرجل في خالفة البيت بين الخالفة والمتاع، فنظر زوجها يمينًا وشمالًا فلم يرَ شيئًا، فخرج فنظر في الأرض فلم ير شيئًا، فكذّب ما رأى.

 

أمّا المرأة فقد بادرت زوجها بالقول_ وكأنّها تريه أنّها قد استنكرت من أمره شيئًا_: ما بك يا أبا فلان؟ أأخافك شيء؟ فكتمها الذي رأى، ومضى لحاجته، فلما كان في الورد الثاني، قالت : يا أبا فلان هل لك أن أكفيك السقي وتودع اليوم؟ فإنّي قد أشفقت عليك، قال: نعم، إن شئت، فأقام في المنزل، ثمّ إنّها مضت تسقي، وترصّدت منه غفلة فأخذت العصا، ثم أقبلت وضربته على رأسه فشجّته.

 

فقال الزوج: ويلك! مالك؟ وما دهاكِ؟ قالت: وما دهاني يا فاسق؟ أين المرأة التي رأيتها معك تعانقها ؟ فقال: لا، والله ما كانت امرأة، وما عانقت اليوم امرأة، قالت المرأة: بلى، أنا شاهدتها بعيني، لمّا كنت على الماء، فأخذا يتحالفان فلمّا أكثرت وزادت في جداله، قال لها: إن تكوني صادقة فإنّ ماءكم هذا ماء عناق، وصارت جملته مثلًا في الدواهي.