حَادِثةٌ تاريخية ضِمنَ التُّراث الإسلامي؛ وتَتحدّث عن القُدرة على التَّخاطُر. وقد حدثت هذه الحادثة للصَّحابي” سارية بن زنيم الدُّؤلي الكِنَانيّ”؛ في بلاد فارس، عند فتح مدينة نهاوند؛ في خلافة أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب. وهذه الحادثة، تُشكِّل مثالاً تاريخياً على القُدرة على التَّخاطُر. وهي مشهورة في كُتب التّاريخ الإسلامي، باسم “يا ساريةُ الجبل”.

صاحب المَقولة

أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد العزى بن رباح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي. وفي كعب يجتمع نسبه مع نسب النبي_ صلى الله عليه وسلم_. وأمّهُ هي حَنتمة بنت هشام المخزومية، وهي ابنة عمّ كلٍ من إمّ المؤمنين أم سَلمَة، والصحابي خالد بن الوليد، وعمرو بن هشام المعروف بلقب أبي جهل.

وهو ابن عمّ زيد بن عمرو بن نُفيل المُوّحد على دين إبراهيم_ عليه السلام_. وأخوه الصحابي زيد بن الخطاب؛ شهيد معركة اليَمَامة، والذي كان قد سَبق عمر إلى الإسلام.

نشأته

ولد بعد عام الفيل، وبعد مولد الرسول محمد_ صلى الله عليه وسلّم_ بثلاث عشرة سنة. وكان بيت عمر في الجاهليّة في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عُمر بجانب الكعبة، وكان اسم الجبل في الجاهلية العَاقِر وبه منازل بني عَديّ بن كعب.

نشأ في قريش وامتاز عن معظمهم بتعلم القراءة والكتابة. وعمل راعياً للإبل وهو صغير، وكان والده غَليظاً في مُعامَلته. وكان يرعى الأبل لوالدهِ ولخالات له من بني مخزوم. وتعلّم المُصَارعة وركوب الخيل والفروسية، والشعر. وكان يَحضُر أسواق العرب وسوق عكاظ وسوق مِجَنَّة وسوق ذِي المِجَاز، فتعلم بها التِّجارة التي ربح منها وأصبح من أغنياء مكة.

كان عمر من أشراف قريش، وإليه كانت السِفارة فهو سفير قريش، فإن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيراً، وإنْ نَافرَهم مُنَافر أو فاخرهم مُفاخِر رَضُوا به، فبعثوه منافراً ومفاخراً. 

هو ثاني الخُلفاء الراشدين، ومن كبار أصحاب الرسول؛ وأحد أشهر الأشخاص والقادة في التّاريخ الإسلاميّ ومن أكثرهم تأثيراً ونفوذاً؛ وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن علماء الصحابة وزُهّادهم. تولّى الخلافة الإسلامية بعد وفاة أبي بكر الصديق_ رضي الله عنه_، في الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ١٣ هجرية. وكان قاضياً خبيراً وقد اشتُهِرَ بعدله وإنصافه الناس من المظالم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وقد لُقِّب بالفاروق لأنّه كان يُفرِّق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم.

إسلامه

أسلم عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة وهو ابن سبع وعشرين سنة. وذلك بعد إسلام حمزة بن عبدالمطلّب بثلاث أيام. وكان ترتيبه الأربعين في الإسلام. وكان النَّبيُّ قد قال: “اللَّهُمَّ أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام.

هو الذي وضع التّقويم الهجري، وفي عهده بلغ الإسلام مبلغاً عظيماً، وتوسع نطاق الدولة الإسلامية حتى شمل كامل بلاد العراق ومصر وليبيا؛ والشام وفارس وخراسان وشرق الأناضول، وجنوب أرمينية وسِجستَان. وهو الذي أدخل بيت المقدس، تحت حكم المسلمين لأول مرة.

وقد تجلّت عبقرية عمر بن الخطاب العسكرية في حملاته المنظمة المتعددة التي وجهها لإخضاع الفُرس الذين فاقوا المسلمين قوة، فتمكن من فتح كامل إمبراطوريتهم خلال أقل من سنتين، كما تجلّت قدرته وحنكته السياسية والإدارية عبر حفاظه على تماسك ووحدة دولة كان حجمها يتنامى يوماً بعد يوم؛ ويزداد عدد سكانها وتتنوع أعراقها.

يَتّفق المؤرخون أنّه بعد عودة عمر بن الخطاب، من مكة المكرمة بعد أنْ أدّى فريضة الحج؛ وعاد إلى المدينة المنورة؛ طعنه أبو لؤلؤة المجوسي(فيروز)، غلام المُغيرة بن شعبة؛ بخنجر ذات نصلين ست طعنات، وهو يُصلي الفجر بالناس، وكان ذلك يوم الأربعاء ٢٦ ذي الحجة سنة 23 هـ، الموافق لسنة 644 م، ثم حُمل إلى منزله والدم يسيل من جُرحه وذلك قبل طلوع الشمس. وحاول المسلمون القبض على القاتل فَطَعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ستة، فلما رأى الصحابي عبدالرحمن بن عوف ذلك، ألقى رِداءً كان معه على أبي لؤلؤة فَتعَثَّر مكانه وَشَعر أنّه مأخوذ لا محَالة؛ فَطَعن نفسه مُنتحراً. ودُفِنَ رضي الله عنه بجانب رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _؛ وأبي بكر الصديق في حُجرَةِ عائشة أم المؤمنين، في المسجد النّبوي الشريف.

قصة المقولة

كان سارية بن زنيم الدُّؤلي الكِنَانيّ؛ صحابيّ مُخضرَم شَهِد الجاهلية والإسلام، وكان سَارية في الجاهلية خَليعاً من قومه، أي لصًاً كثير الغَارة، وكان عَدّاءاً يسبق الفرس عَدواً على رجليه.

وليس معلوماً بالضَّبط متى أسلم، والرَّاجح أنّه أسلم متأخراً لعدم ورود اسمه بين الصحابة الذين شهدوا بدراً أو أُحُداً أو الخندق، ولكن موقفه مع ابن أخيه (أسيد بن أبي أنَاس) يَدلُّ على أنهُ أسلم قُبيل فتح مكة، وقد حَسُن إسلامه، وقيل أنه تابعي روى عن النبي_ صلى الله عليه وسلم_؛ ولم يَرهُ. والأصحّ على أنَّ لهُ صُحبة لعدم إعطاء إمارات الجيوش في ذلك الوقت إلا للصحابة. فكان سَارِية أحد قادة جيوش المسلمين في فتوحات بلاد فارس، سنة 645 م/23 هجرية، وبينَما كان يُقاتل المشركين على أبواب مدينة نَهاوَند في بلاد الفُرس، تَكاثَر عليه الأعداء.

وفي نفس اليوم، كان أمير المؤمنين عمر بن الخَطّاب_ رضؤ الله عنه_، يَخطُب يوم الجمعة على منبر رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _؛ في المدينة المنوّرة؛ فإذا بِعُمَر يُنادي بأعلى صوته أثناء خطبته:“يا سَاريةُ الجبل، الجبل، من استَرعَى الذئب الغنم، فقد ظلم”.

وبعد انتهاء الخُطبة تقَدَّم النَّاس نحو عمر بن الخَطّاب، وسألوه عن هذا الكلام فقال:“والله ما ألقيتُ له بالاً، شيءٌ أتى على لساني“.

ثمَّ قالوا لعليّ بن أبي طالب، وكان حاضراً:” ما هذا الذي يقوله أمير المؤمنين؟ وأين سارية منّا الآن؟”.

فقال:” ويحَكُم! دَعُوا أمير المؤمنين عُمر، فإنّه ما دخل في أمرٍ؛ إلّا خرج منه”.

ثمَّ ما لَبِث أنْ تَبَيَّنت القصة فيما بعد، فقد قَدِم سارية على عُمر بن الخطاب في المدينة، بعد فتحِ مدينة نهاوند؛ فقال:” يا أمير المؤمنين، تَكاثَرَ العدوُّ على جنود المسلمين، وأصبحنا في خَطرٍ عظيم، فَسمِعتُ صوتاً ينادي:” يا سَاريةَ الجَبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظَلَم”؛ عِندَئذٍ التَجأتُ بأصحابي إلى سَفحِ جبلٍ، واتَّخذتُهُ دِرءاً لنا يَحمي مُؤخرة الجيش، وواجهنا الفُرس من جهة واحدة، فما كانت إلّا ساعة، حتى فَتح الله علينا وانتصرنا عليهم”.

وفي روايةٍ أخرى؛ قِيل أنَّ عُمر بن الخطاب، كان يَخطُب على مِنْبر رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_؛ يوم الجُمُعة، فَعَرضَ له في خُطبتهِ أنْ قال:( يا ساريةُ، الجبلَ الجبلَ، من استرعى الذئب ظلم). فالتفت الناس بعضهم إلى بعض، فقال علي بن أبي طالب: لَيَخرُجنَّ مِمّا قال، فلمّا فَرغَ من صَلاتهِ، قال لهُ عليّ: ما شيء سَنَح لك في خُطْبتك؟ قال: وما هو؟ قال: قولك: (يا ساريةُ، الجبلَ، الجبلَ، من استرعى الذئب ظلم)، قال: وهل كان ذلك مني؟ قال: نعم. قال: وَقَعَ في خَلَدي أنَّ المشركين هَزَموا إخواننا فَركِبوا أكتافهم، وأنّهم يَمرُّون بجبل، فإنْ عَدلُوا إليه، قاتلوا من وجَدُوا، وقد ظَفِروا، وإنْ جَاوَزوا هَلكوا، فخرج منّي ما تَزعم أنّكَ سَمِعته. قال: فَجاء البشيرُ بالفَتْح بعد شهر، فَذكرَ أنّه سَمِعَ في ذلك اليوم، في تلك الساعة، حين جاوزوا الجبل، صوتاً يُشبه صوت عمر يقول: يا ساريةُ، الجبلَ الجبلَ، قال: فعدلنا إليه، ففتح الله علينا.