قصة قصيدة لو كنت أعلم أن آخر عهدكم

 

أنشد العديد من الشعراء قصائد خلدها التاريخ في الفراق والشوق، ومن هؤلاء الشعراء شاعرنا جرير، الذي لم يعتد إنشاد هذا النوع من القصائد، ولكنه وعلى الرغم من ذلك أنشد هذه القصيدة الرائعة.

 

أما عن مناسبة قصيدة “لو كنت أعلم أن آخر عهدكم” فيروى بأن جرير أنشد في يوم من الأيام في الفراق والشوق والبكاء قائلًا:

 

لَو كُنتُ أَعلَمُ أَنَّ آخِرَ عَهدِكُم
يَومُ الرَحيلِ فَعَلتُ ما لَم أَفعَلِ

 

يقول جرير في هذا البيت بأنه لو كان يعلم بأن آخر لقاء له مع محبوبته في اليوم الذي رحلت فيه، لكان فعل ما لم يفعله حينها.

 

أَو كُنتُ أَرهَبُ وَشكَ بَينٍ عاجِلٍ
لَقَنَعتُ أَو لَسَأَلتُ ما لَم يُسأَلِ

 

أَعدَدتُ لِلشُعَراءِ سُمّاً ناقِعاً
فَسَقَيتُ آخِرَهُم بِكَأسِ الأَوَّلِ

 

لَمّا وَضَعتُ عَلى الفَرَزدَقِ مَيسَمي
وَضَغا البَعيثُ جَدَعتُ أَنفَ الأَخطَلِ

 

أَخزى الَّذي سَمَكَ السَماءَ مُجاشِعاً
وَبَنى بِناءَكَ في الحَضيضِ الأَسفَلِ

 

بَيتاً يُحَمِّمُ قَينُكُم بِفَنائِهِ
دَنِساً مَقاعِدُهُ خَبيثَ المَدخَلِ

 

وَلَقَد بَنَيتَ أَخَسَّ بَيتٍ يُبتَنى
فَهَدَمتُ بَيتَكُمُ بِمِثلَي يَذبُلِ

 

إِنّي بَنى لِيَ في المَكارِمِ أَوَّلي
وَنَفَختَ كيرَكَ في الزَمانِ الأَوَّلِ

 

أَعيَتكَ مَأثُرَةُ القُيونِ مُجاشِعٍ
فَاِنظُر لَعَلَّكَ تَدَّعي مِن نَهشَلِ

 

وَاِمدَح سَراةَ بَني فُقَيمٍ إِنَّهُم
قَتَلوا أَباكَ وَثَأرُهُ لَم يُقتَلِ

 

وفي يوم جلس جماعة مع عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، وهو حفيد جرير، وبينما هم جالسون سألوه قائلين: ماذا كان جدك سيفعل عندما قال فعلت ما لم أفعل؟، فرد عليهم قائلًا: كان يقلع عينيه حتى لا يرى رحيل أحبابه ومن ثم أخذ ينشد قول امرؤ القيس متمثلًا، قائلًا:

 

فَما وَجدُ مَغلوبٍ بِصَنعاءَ موثَقٍ
لِساقَيهِ مِن ثِقلِ الحَديدِ كُهولُ

 

قَليلُ المَوالي مُستَهامٌ مُرَوَّعٌ
لَهُ بَعدَ نَوماتِ العِشاءِ عَويلُ

 

يَقولُ لَهُ الحَدّادُ أَنتَ مُعَذَبٌ
غَداةَ غَدٍ أَو مُسلِمٌ فَقَتيلُ

 

بِأَعظَمَ مِنّي رَوعَةً يَومَ راعَني
فِراقُ حَبيبٍ ما إِلَيهِ سَبيلُ

 

نبذة عن جرير

 

جرير بن عطية الكلبي اليربوعي التميمي، شاعر من شعراء العصر الأموي، وهو من بني كليب بن يربوع من قبيلة بني تميم، ولد في نجد في شبه الجزيرة العربية وتوفي فيها.

 

الخلاصة من قصة القصيدة: عندما ابتعدت محبوبة جرير عنه، ولم يرها بعد ذلك، فأنشد في ذلك قصيدة، وعندما سألوا حفيده عما قال أجابهم بأنه لو علم بأنه آخر لقاء له مع محبوبته كان سيقلع عينيه في لحظتها.