قصة جلاد باريس

اقرأ في هذا المقال


تناولت هذه القصة في مضمونها الحديث حول أحد الشباب الذي ورث مهنة والده وجده، وقد كانت تلك المهنة هي الجلاد، وقد بقي في تلك المهنة للعديد من السنوات وتمكن من إعدام أشخاص كثيرون، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تم اختراع آلية الإعدام المقصلة.

الشخصيات

  • الحاكم
  • الجلاد هنري
  • الطبيب جوزيف
  • الضحية نيكولاس
  • ابن الجلاد غابريل
  • الجراج أنطوان

قصة جلاد باريس

في البداية كانت تدور وقائع وأحداث القصة في دولة فرنسا، حيث أنه في يوم من الأيام في منتصف القرن السابع عشر كان هناك أحد الملوك ممن يقيمون في أحد القصور الشهيرة والذي يعرف باسم قصر فرساي، وذات يوم بينما كان الملك خارج من القصر باتجاه عربته من أجل تفقد أحوال رعيته جاء رجل واجتاز الحراس ودفع الملك من الخلف وقام بغرز سكين رفيعة في منطق الصدر للملك، وهنا على الفور قام الحراس بإلقاء القبض على ذلك الرجل ويدعى روبرت، كما تم حمل الملك إلى داخل القصر وتم استدعاء مجموعة من الأطباء للكشف عليه، وقد تبين أن الملك مصاب بخدش بسيط فقط سطحي، ولم يكن الملك قلق بشأن ذلك الجرح، ولكن ما أرعبه هو وجود شخص كان يريد أن يقتله، وأن هذا الأمر من المحتمل أن يتكرر.

وفي تلك الأثناء أصدر الملك أوامر بجلب ذلك الرجل وتلقيه درس مدى الحياة؛ وذلك حتى يكون عبرة لغيره في حال فكر أحدهم بالقيام بما قام به روبرت، وفي صباح اليوم التالي تم جلب روبرت إلى مكان شهير في وسط العاصمة باريس ويعرف باسم دي غريف، وهناك تم الإعلان حول حضور الجميع إلى تلك المنطقة، وعلى مرأى الجميع تم تعذيبه بطريقة وحشية وعنيفة، إذ أن في البداية تم تقطيع أجزاء من جسده بكماشة حديدية ساخنة.

ثم بعد ذلك تم القيام بصهر السكين، وهو ما كان ذات السكين التي قام بطعن الحاكم بها وتغميسه بمادة الكبريت، وتم صب المحلول المصهور الساخن فوق يديه، ثم بعد ذلك قام الجلاد بربط أطرافه الأربعة وتقييدها بالسلاسل وربط كل طرف منها في واحد من الخيول، ومن هنا تم اقتياد كل حصان في اتجاه مختلف عن الحصان الآخر، وفي تلك الأثناء قام الجلاد بقطع كامل أطرافه الأربعة، ولكن حينها بقي أحد جذوعه ينبض بالحياة، فقام الجلاد بإشعال النار به حتى تحول إلى رماد.

وفي ذلك الوقت كان ذلك المنظر الوحشي من المناظر المحببة لسكان مدينة باريس، أما بالنسبة للجلاد ويدعى هنري والذي نفذ تلك الإجراءات كان يبلغ من العمر السبعة عشر عامًا، فقد كان ما قام به هو مهمته، إذ أن تلك المهنة كانت مهنة أباءه وأجداده وقد توارثتها على مدار ثلاثة أجيال متتالية، وبدأ في تولي تلك المهمة عن والده بعد أن أصيب والده بأحد أنواع الأمراض الغامضة والذي تسبب له بالشلل.

وبعد أن أصيب والده بتلك الحالة تسلم الشاب هنري مهام تلك الوظيفة الوحشية على الفور وبدأ بتنفيذها بكل براعة، فعلى مدار عدة قرون كان الإعدام يتم بطريقة خاصة في تلك البلاد، إذ أن النبلاء كان يتم قطع رؤوسهم من خلال استخدام السيف؛ وذلك لأنه أكثر نظافة وفاعلية، أما بقية الشعب فكان يتم شنقهم على منصة الإعدام من خلال تنظيم عملية دقيقة للغاية، حيث كان من الواجب اختيار حبل بمقاييس صحيحة حتى يقوم بكسر الرقبة بشكل نهائي.

بينما قُطاع الطرق فقد كان يتم تلقي عقابهم من خلال وضع أطرافهم الأربعة على طاولة، ومن ثم يتم تكسيرها من خلال استخدام مطرقة ذات حجم ثقيل ثم يقوم الجلاد بقتله من خلال ضربه قاتلة في منطقة الصدر، وباستمرار كان يشير الجلاد هنري إن الجلاد المحترف هو الذي يكون مطلع على كافة الجوانب التقنية الخاصة بطرق الإعدام المختلفة، وكان على هنري عند كل عملية إعدام أن يخرج على الناس وهو يرتدي وشاحه الأحمر؛ وذلك حتى يتم تمييزه عن باقي الحشد، وبعد كل عملية إعدام تتقدم الحشود من أجل لمس يده؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الدماء في يديه لها قوة شافيه من كافة الأمراض، وكلما كانت الدماء ما زالت حديثة كلما كان أفضل.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه في الأيام العادية كان الناس يخافون من الجلاد، ولا يحترمونه على الاطلاق، وكانوا في الكثير من الأحيان يتعوذون منه إذا رأوه يمر في الشارع، وكان عادة ما يقوم التجار في السوق بتقديم له ما يريد من مشتريات دون مقابل، كما أنهم لم يكونوا يسمحون له بلمس بضاعتهم بيديه؛ وذلك لأنهم يشمئزون منها، وهكذا كان الواقع الذي يعيش فيه هنري.

ولكن في يوم من الأيام كان ذلك الواقع لهنري قد تغير تمامًا، وقد حدث ذلك بعد أن حدث اقتحام لأحد السجون والذي يعرف باسم سجن الباستيل وقد كان ذلك في بداية الثورة الفرنسية، وبدأت أول علامات هذا التغير تظهر في يوم من الثمانينات من القرن السابع عشر حينما تم استدعاء هنري من أجل القيام إعدام شخص يدعى جان بعد أن تمت إدانته بقتل والده من خلال استخدام المطرقة على إثر عراك وقع بينهما، وفي ذلك الوقت كان الموقع المقرر للإعدام بالقرب من قصر الملك، وقبل أن يتم تنفيذ هنري للجكم قامت الحشود الغاضبة باقتحام منصة الإعدام وتحرير المتهم، كما أنهم قاموا بحرق المنصة، وعلى الرغم من أن هنري في تلك اللحظة قد نجا من غضب الجماهير هذه المرة، إلا أن الحاكم لم ينجو، إذ تم تغيير الحاكم.

وعلى إثر ذلك فقد ذلك الجلاد كامل امتيازاته، وبعد أن تم تشكيل نظام جديد وإيجاد وسيلة أخرى موحدة لإعدام جميع الناس كنوع من المساواة بين مختلف الطبقات، وفي ذلك الوقت اقترح واحد من الأطباء ويدعى جوزيف فكرة المقصلة، وكان الجلاد من المؤيدين لتلك الفكرة، إذ أراد التخلص من تلك المهنة، وقد عمل الجلاد للعديد من الأشهر مع أحد الجراحين في القصر ويدعى أنطون من أجل الإشراف على تصميم وآلية عمل المقصلة، وقام بتجريب الآلة عدة مرات في البداية على مجموعة من الحيوانات وجثث بعض الموتى من البشر، وفي النهاية أصبحت المقصلة جاهزة للاستخدام.

وفي التسعينات من القرن التاسع عشر استضافت المقصلة ضحيتها الأولى وهو ما كان شخص يدعى نيكولاس، والذي بدوره أصيب بالرعب حينما شاهد آلية الإعدام الجديد، كما أن الحشود كانت غير راضية عن السرعة والكفاءة التي تعمل بها تلك الآلة، وبدأوا بالهتاف من أجل إعادة المشنقة الخشبية، وفي تلك الأثناء أكد هنري ومن معه من جلادين أن الرأس المقطوع بالمقصلة يبقى على قيد الحياة لعدة ثوان.

وفي تلك الأثناء وقعت حادثة كانت من اللحظات الفارقة في حياة هنري إذ سقط ابنه الذي يدعى غابريل من فوق سقالة الإعدام التي تحمل فوقها المقصلة وتوفي في الحال، وقد كانت تلك الواقعة قد زادت من استياء هنري من المقصلة، وعلى إثر تلك الحادثة قدم استقالته، ولكن السلطات رفضت استقالته.

وفي النهاية اضطر هنري للاستمرار في تلك المهنة لمدة أربعين عاماً وهي أطول فترة قضاها جلاد في الخدمة، وقد كتب في مذكراته وذكر فيها أنه بقي لفترة طويلة لم يتمكن من إقناع نفسه بذلك الواقع الرهيب الذي يحيط به، وأخيراً كان يعاني من رؤيته لبقع دماء حوله في كل مكان طوال الوقت حتى أثناء تناوله للطعام.

العبرة من القصة هو أنّه في الكثير من الأحيان تجبر الحياة بعض الأشخاص على عمل أو مهنة لم يكن في الأصل يرغب بالعمل بها، ولكن تكون الظروف أقوى منهم.

المصدر: كتاب 100 قصة قصص فرنسية - محمد السباعي - 2011م


شارك المقالة: