دولة العبيديون في عهد الخليفة القادر بالله:

توفي العزيز العبيدي عام (386 هجري)، وخلفه ابنه أبو علي منصور وتلقب باسم الحاكم بأمر الله، وكان صغير السن لا يزيد عُمره على إحدى عشرة سنة إذ أنه أُنشئ عام (375 هجري)، فكانت أمور الدولة بيد أبي الفتوح برجوان أحد خدام العزيز ومدبّري دولته. وبعد أربعة سنوات من حكمه تسلم الحاكم شيئاً من أمره فأظهر تعصُباً شديداً لفكرة العبيديين.

كان الحاكم شيطان مريد جبار عنيد كثير التلوّن، وكان يسفك الدماء، خبيث، وكان ماكراً، له شأن غريب، كان كالفرعون حاضره يخترع كل وقت أحكاماً يلزم الرعية بها. أمر بسبّ الصحابة رضي الله عنهم، وبكتابة ذلك على أبواب المساجد والشوارع، وأمر عُماله بالسبّ، وبقتل الكلاب.

أبطل الفقع، والملوخية، وحرّم السمك الذي لا قشر له، حرّم بيع الرُطب. أمر النصارى بتعليق الصلبان في رقابهم، وألزم اليهود أن يُعلقوا قرمية في رقابهم. هَدَمَ كنائس مصر فأسلم عدد من أهل الكتاب، نهى عن تقبيل الأرض، وعن الدعاء له في الخطب، نفى المُنجمين، منع النساء من الخروج من البيوت، ثم عاد فأمر بإعادة بناء الكنائس وبتنصر من أسلم . أظهر التفقه، وطلب فقيهين يدرسان مذهب الإمام مالك ثم عاد فقتلهما صبراً.

وقد حبه في الآخر إلى الحاكم العزلة، وظلَّ يركب وحده في الأسواق على حماره، ويُقيم الحسبة بنفسه، وبين يديه عبد ضخم فاجر، فمن وجب عليه تأديب، أمر العبد أن يولج فيه، والمفعول به يصيح. وأمر بحريق مصر، واستياحها، ثم بعث خادمه ليشاهد الحال، فلما رجع، قال: كيف رأيت؟ قال: لو استباطها طاغية الروم ما زاد على ما رأيت، فضرب عنقة. وولي للحاكم عدة أُمراء ما كان يدع النائب يستقر حتى يعزله.

وأبطل الحاكم عمل المُنجمين، وأعتق أكثر مماليكه، وجعل ولي عهده ابن عمه عبد الرحيم بن إلياس. ووصل إلى مصر عام (405 هجري)، حمزة بن علي بن أحمد الزوزني ويبدو أنه دخل في خدمة الحاكم الخصوصيين ثم أصبح من دُعاة الإسماعيليين الذين انتشروا في مصر بشكل واسع، وجهر بالدعوة إلى ألوهية الحاكم عام (408 هجري).

فهجم الناس عليه فلم يجد له أثر في قصر الحاكم أو خارجه مُدة سنةٍ ثم هرب إلى وادي التيم في لبنان حيث تقيم بطون من تنوخ وتدين بالولاء للعبيديين. ثم ظهر الحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف باسم الأخرم عام (409 هجري)، وقال بألوهية الحاكم أيضاً، ولكنه لم يلبث أن قُتل، وكذلك ظهر محمد بن إسماعيل الدرزي (نشتكين) وهو أول من كشف عن فكرة ألوهية الحاكم والدعوة إليها وذلك عام (407 هجري)، وهو العام الذي وصل فيه إلى مصر.

ويبدو أن قتل بمجرد أن قال بذلك، ومنهم من يقول: إنه اختفى في القصر حتى هدأ الجند ثم فرَّ إلى بلاد الشام حيث استقر في إحدى قرى بانياس جنوب وادي التيم ونافس حمزة بن علي فكان سبباً في قتله عام (411 هجري). طلب أمير مكة أبو الفتوح الخلافة وتسمّى بالراشد بالله. ولحق بآل جرّاح الطائيين بالشام، ومعه أقاربه، ونحو من ألف عبدٍ، وحكم بالرملة فانزعج العزيز بمصر وتلطف بالطائيين، وبذل لهم الأموال.

وكتب بإمرة الحرمين لابن عم الراشد، فوهن أمر الراشد، فتأجر أبو حسان الطائي، وقام بمُلاطفته حتى رجع إلى إمرة مكة. وظهر أبو ركوة الأموي والتف حوله عدد من الأتباع، فحارب الحاكم ولعنه، فجهز الحاكم له جيشاً مؤلفاً من ستة عشر ألفاً تمكّنوا من القبض عليه وقتله في أرض خروجه وهي منطقة برقة.

وقتل الحاكم بأمر الله عام (411 هجري)، بالاتفاق بين أخته ست الملك والأمير ابن دوّاس، وذلك بسبب ما أساء إلى أخته إذ اتهمها بالزنى، وإلى الناس بتصرفاته، وكان قتله سراً. وأما عبد الرحيم بن إلياس العبيدي، فإن الحاكم قد ولّاه عهده، ثم بعثه على نيابة دمشق سنة (410 هجري)، فانصرف إلى اللهو فاضطرب الجند، فلما مات الحاكم قبض الأُمراء عليه وسجنوه ثم قتلوه.

لذا فإن ست الملك قد أخرجت ابن أخيها الحاكم وهو علي، أبو الحسن، الظاهر لإعزاز دين الله وتوّجته، وبقيت تشرف عليه حتى توفيت عام (415 هجري)، وكان ابن دواس يُدبر أمر الدولة. أما إفريقية فكانت تتبع العبيديين اسمياً، وقد توفي المنصور بن يوسف بلكين عام (386 هجري).

وكان كريماً شُجاعاً حازماً وسيرته حسنة محباً للعدل والرعية، وخلفه ابنه باديس ويُكنى أبا مناد، وقد قام بتعيين عمه حمّاد بن يوسف بلكين على منطقة (أشير) وأقطعه إياها، وهو جد بني حمّاد، ثم أضاف إليه الجزء الغربي من الدولة عندما وجد باديس صعوبة في ضبط أمور الدولة الواسعة، وبذا تأسست الدولة الحمادية في أشير الواقعة على نهر الشليف جنوب مدينة الجزائر الحالية بمائة وعشرة كيلومترات.

الأحداث التي جرت مع باديس وحمّاد:

اختلف باديس مع عمّه حمّاد، وأدّى هذا الاختلاف إلى قتالٍ بين الطرفين عام (406 هجري)، وأعطى باديس ولاية العهد لابنه منصور، وتوفي باديس وبايع أُمراء الجند كرامة بن المنصور الذي سار إلى حماد واقتتل معه وهزمه، وعندما رجع إلى المنصورية وجد أن الناس قد بايعوا المعز بن باديس وهو صغير لا يتجاوز الثامنة من العمر إلا قليلاً فدخل مع الجماعة وبايع، وأرسل الحاكم العبيدي موافقته على تعيين المُعز وأعطاه لقب شرف الدولة.

وذهب المُعز لمُحاربة حماد وفاز عليه ثم تصالحا. وجاء من الأندلس زاوي بن زيري بن مناد وكان قد انتقل إليها مع إخوته لخلاف وقع بينهم وبين أخيهم حماد، وقد جاهدوا هناك النصارى. وفي عام (407 هجري)، تم قتل غير المُسلمين على أيدي الناس لأنهم كانوا يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان المُعز يُدافع عن السنة، وهو الذي نشر مذهب الإمام مالك، وكان مذهب الإمام أبي حنيفة هو السائد من قبل.