حركة بابك الخرمي:

 

أشار ابن النديم إلى أنّ بابك ابن رجل من أهل المدائن في العراق، كان دهاناً سافر إلى أذربيجان، فسكن قرية تُدعى جلال آباد من رستاق ميمد، وقد ربط المؤرخون البابكية بفرقة الفاطمية، التي قالت بإمامة أبي مسلم، والفاطمية هي إحدى فرقتي المسلمية في رأي المسعودي، يجب أن نشير إلى أنَّ أغلب الحركات في المشرق وقعت شعار الثأر لأي مسلم، فكانت تجمع بين آراء إسلامية وفارسية قديمة لكسب أكبر عدد ممكن من الأتباع.

 

لقد أسهم الخرمية في كثير من الحركات في العصر العباسي الأول، وظهروا بأسماء مختلفة، محمرة، مبيضة، وهي شعارات لمعارضة سواد العباسيين، إن ابن النديم أكثر المؤرخين دقة في تعريفه للخرمية، فهم من وجهة نظره أن الخرمية فرقتان، الأولى هي المزدكية أتباع مزدك الذي ظهر أيام قبلذ الملك، والأخرى هي البابكية أتباع بابك الخرمي، والبغدادي يؤيد ابن النديم في أنَّ الخرمية صنفان الأولى، قبل دولة الإسلام وهي المزدكية والأخرى خرمدينية ظهرت في دولة الإسلام كالبابكية.

 

ولذلك فإن كل المشركين في الحركات الفارسية قبل الحركة البابكية هم من الخرمية القديمة، ولهذا جمعت تلك الحركات آراء إسلامية فارسية قديمة بخلاف حركة بابك التي كان هدفها إعادة المزدكية، يقول ابن النديم: إن زوجة جاويدان قائد الخرمية المتوفي أعانت أن بابك سوف يعيد المزدكية. أوضحت الروايات التاريخية أن الحركة البابكية كانت حركة مضادة للعرب والمسلمين وللدين الإسلامي، وكان هدفها الرئيس هو الانفصال عن الحكم العربي الإسلامي.

 

لقد توسعت الحركة البابكية وشملت أقاليم عديدة وهي: أذربيجان (موطنها الأصلي) وشرقي أرمينية، وطبرستان، والديلم، وجرجان، وشارك فيها سكان تلك المناطق والأكراد وبعض القادة العرب. استغل بابك الأوضاع المتردية في أذربيجان وأرمينية بسبب إعلان واليها حاتم بن هرثمة العصيان بعد قتل والده هرثمة بن أعين في حضرة الخليفة المأمون في مرو، فأعلن بابك حركته عام (201 هجري)،‏ يقول الطبري بأنه أخذ في العبث والفساد، وفي رواية أنه استفتح أمره بقتل من حوله من بالبذاء وإخراب تلك الأمصار والقرى التي حواليه لتصفو له البلاد.

 

لقد استطاعت الحركة البابكية الوقوف فترة ليست بالقصيرة بوجه الخلافة العباسية منذ إعلان العصيان إلى نهاية حكم الخليفة المأمون (201 – 218 هجري)، والسبب يعود إلى جملة عوامل منها:

 

1. تعيين ولاة ضعاف، كتعيين يحيى بن معاذ بن مسلم وفشله في مواجهة الحركة عام (204 هجري).‏

 

2. تكليف قواد عسكريين غير مخلصين للعباسيين، أو تنقصهم الكفاءة العسكرية أو الإدارية، كتعيين عيسى بن محمد بن أبي خالدء أو الغرض من تعيينهم إبعادهم مع قواتهم عن المناطق القريبة من العاصمة بغداد، كإبعاد فرق الحربية، لكونها اشتركت في الحرب الأهلية ضد الخليفة المأمون.

 

3. تأجيل الصدام بين الخلافة العباسية والحركة البابكية طيلة خمسة أعوام للسببين المذكورين، فضلاً عن انشغال والي أذربيجان وأرمينية زريق الأزدي بالحروب مع والي الموصل السيد بن أنس الأزدي خلال الأعوام المذكورة من أجل السيطرة والنفوذ مما أدى إلى إهمال الوالي الأول التصدي للحركة البابكية.

 

4. إنَّ انشغال القوات العباسية المواجهة للحركة لم يكن السبب في استمرار الحركة طيلة الأعوام المذكورة فحسب وإنما اتسع نفوذها بحيث تشجع خرمية إقليم الجبال للالتحاق بالحركة وإعلانهم التمرد.

 

5. لقد استفاد بابك من تحالفه مع الإقضاعيين والأمراء المحليين وإمبراطور الروم البيزنطيين.

 

خطط المعتصم للقضاء على حركة بابك:

 

في عام (218 هجري)، استخلف المعتصم، وبصفته رجلاً عسكرياً فقد وضع خططاً كانت كفيلة بالقضاء على حركة بابك، ومن الممكن إجمالها فيما يلي:

 

1- عزل الحركة عن حلفائها:

 

لقد حاول الخليفة أن تكون الجبهة البيزنطية هادئة، لأنه لم يجد أي جدوى في مجابهة الروم، لذلك تقل السلاح والعدد من الجبهة حتى يركز جهده واهتمامه للحركة البابكية، يقول الدينوري (فلما أفضى الأمر إلى أبي إسحاق المعتصم بالله لن تكن همته غيره أي بابك).

 

وقد وجه المعتصم اهتمامه إلى خرمية الجبال لعزلهم عن الحركة البابكية في أذربيجان، فضلاً عن إلحاق هزيمة بالقائد العباسي هاشم بن باتيجور، لذلك عين الخليفة إسحاق بن إيراهيم قائدأ عاماً للجيش العباسي، فاستطاع هذا القائد من إلحاق أول هزيمة منكرة بخرمية الجبال، وذلك عام (218 هجري)،‏ وهرب الناجون إلى الروم، ثم نجحت محاولة كسب محمد بن البعيث المسيطر على إحدى القلاع المهمة والذي تعاون من بابك، وبواسطة محمد بن البعيث استطاعت قوة عباسية من أسر أحد الأمراء الأكراد المتعاونين مع البابكيين، وقتل مُعظم قواته.

 

ثم أرسل إلى الخليفة المعتصم حيث اطلع الخليفة بواسطته على طبيعة الأرض في أذربيجان وطرقها وكيفية القتال فيها، مما كان له الأثر الكبير في التوجيهات التي أصدرها الخليفة لقائده الأفشين أثناء سير المعارك فيما بعد.

 

2- حسن اختيار الخليفة لقادة الجيش:

 

عين الخليفة المعتصم قواداً قديرين لإدارة المعارك مع الحركة البابكية كالأفشين الأشروسني وأغلبهم كان يدين بولاء كبير للخليفة، كأبي سعيد محمد ابن يوسف الطائي، وإسحاق بن إبراهيم والهيثم الغنوي أحد قواد الجزيرة، وعلوية الأعور أحد قواد الأبناء، وأبو دلف القاسم بن عيسى العجلي أحد أمراء الجبال وبغا الكبير وجعفر بن دينار الخياط.

 

3- الميرة والتموين:

 

يمتاز إقليم أذربيجان بكثرة الثلوج والأمطار، مما أثر في حرية تحرك القوات العباسية، وقد اعتمد الخليفة المأمون على تموين الولاة المحليين، مما أدى إلى تهاونهم في مجابهة الحركة نتيجة عدم استطاعتهم تموين قواتهم العسكرية لقلة إمكانيتهم، وقد تلافى الخليفة المعتصم ذلك الخطأ فلم يبخل على الجيش العباسي بالأموال، يقول الطبري: (وكان يجزي (المعتصم)، الأفشيين في مقامه بإزاء بابك سوى الأرزاق والإنزال والمعاون في كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم، وفي كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف درهم). وأرسل القائد إيناخ إلى الأفشين ومعه ثلاثون مليون درهم معونة له.

 

4- خطوط المواصلات والبريد:

 

أمر الخليفة بترميم الحصون التي خربها بابك، وذلك من أجل حراسة طرق تموين القوات العباسية، بعد وضع رجال لحراسة تلك الطرق لمنع تسلل البابكيين، فضلاً عن عزل البابكيين عن حلفائهم في طبرستان، وأعاد توزيع القوات العباسية على الحصون والحاميات مما جعل السيطرة تامة على طرق المواصلات بين القيادة والجيش وحراسة القوافل، ولقد اهتم الخليفة بالبريد فنظمه تنظيماً جيداً فيه الكثير من الابتكار، فكانت الرسائل تصل الأفشيين وبالعكس خلال أربعة أيام وأقل.

 

5- جهاز التجسس:

 

وضع الخليفة خطة بعدم إعدام جواسيس البابكيين، بل كان يبذل لهم الأموال حتى يتعاونوا مع الجيش العباسي، وبذلك تم الاطلاع على كثير من فعاليات البابكيين، وابتكر القائد الأفشين جهازاً للمراقبة على جانب كبير من المقدرة والكفاءة والفاعلية وهم أصحاب الأخبار، وكانت لهم معرفة واسعة بطبيعة الأرض وبتحركات البابكيين، فكانوا يصعدون إلى مناطق شاهقة، مما يُسهل عليهم مشاهدتهم وكمائنهم وبالتالي يرفعون الأعلام الخاصة حتى ينتبه الجيش العباسي فيأخذ الحيطة والحذر.

 

احتلال قلعة البابكيين:

 

تقع قلعة البذ على جبل شاهق، وهي قلعة حصينة، ولقد واجه الجيش العباسي صعوبات كبيرة في احتلالها، وأبدى الجيش العباسي بطولات فريدة، وابتكر طرقاً عديدة في أسلوب القتال في مثل تلك المناطق، وكانت لملاحظات المعتصم ومتابعاته وتوجيهاته أثر كبير في تحرير (البذ) من البابكين، ثم في بناء الجيش العباسي للاستحكامات وإجراء المناورات وتدريب الجيش على المواقع وزحف الجيش بشكل بطيء وحذر وحيطة شديدة، عوامل مهمة ساعدت الجيش العباسي على تحرير القلعة إلا أنَّ بابك استطاع الهرب مع بعض أتباعه وذلك في رمضان من عام (222 هجري).

 

وقد حاول إمبراطور الروم مساعدة بابك الخرمي لتحقيق الضغط عليه، فهاجم زبطره على الحدود، إلا أنَّ هذه المحاولة لم تثنِ الجيش العباسي عن مُحاولة احتلال القلعة، ومهما يكن من أمر فإن القائد العام للجيش العباسي شدد الحراسة ليلاً ونهاراً على جميع المسالك والطرق المؤدية إلى الوادي الذي هرب فيه بابك وأخويه، وكتب الأفشيين إلى أمراء تلك النواحي بضرورة مراقبة الطرق والقبض على أي مشتبه به وأخيراً تم القبض عليهم، واقتيد بابك إلى سامراء، واستقبل الجيش العباسي استقبالاً حافل، وحمل بابك على الفيل لإشهاره بين الناس ثم أعدم في سامراء.