ظاهرة الاغتراب في شعر الصعاليك

اقرأ في هذا المقال


ظهر الصعاليك نتيجة لعدة عوامل ظهرت في تلك المجتمعات، وظهور طبقتين فيها فئة الأثرياء وفئة الفقراء المعدومين، ومن هذه الفئة من تطاول على الواقع وحاول جني النقود بشتى الطرق من سرقة ونهب، وغيرهم أُطلق عليهم الصعاليك الذين تمردوا على الواقع وحال المجتمع وتركوا قبائلهم وقطعوا الطرق وفي فترة بعدهم عن قبائلهم وديارهم ظهر لديهم ما يسمى بشعر الاغتراب.

تعريف الاغتراب

الاغتراب ينتج نتيجة ترك الإنسان دياره بمحض إرادته غير مجبر على ذلك، عكس الغربة التي يجبر فيها الشخص على ترك دياره، والاغتراب أيضًا يكون تمرد على العادات والتقاليد في بيئته.

وبعض الصعاليك اغتربوا فارين من ظلم القبيلة حيث امتهنوا الصعلكة وسرقة أرزاق الناس، ومنهم من هرب فارًا من الجوع محاولًا كسب الرزق ومنهم من طردتهم القبيلة لسوء معاملتهم مع الناس، ومنهم من تمرد على الواقع وطالب بالعدل والمساواة ومنهم من قبل بالإهانة وقام على خدمة البيوت.

الاغتراب عند الصعاليك

اغترب الصعاليك عن أهلهم وديارهم بعد أن تزعوا أنفسهم الصفات الإنسانية وتخلوا عن العقل وَلبسوا قناع اللاوعي وابتعدوا عن استعمال طاقتهم الإنسانية كالتفكير والإحساس والطموح، وقبلوا بالذل والخنوع وتخلوا عن ذاتهم.

فظل الصعاليك في العيش في غربة واغتراب وتمردوا على الواقع القبلي، واغتربوا من أجل حريتهم التي فضوا أن تقيد أو تسجن نتيجة أعمالهم، ومنهم من اغترب بحثًا عن الرزق بسبب الفقر والعوز والحرمان الذي عانوا منه في ديارهم.

أسباب الاغتراب عند الصعاليك

ترجع أسباب الاغتراب إلى النظام القبلي وإلى الأسباب الاقتصادية التي عاشها الصعلوك في دياره، وما عاناه من جوع وعوز وشح الأموال، وكذلك عوامل اجتماعية حيث أنه تمرد على الثوابت والتقاليد وشيوع الفتن والاضطرابات.

ومن نظرتهم الفلسفية في الحياة اتجهوا إلى الاستحواذ على ملذات الحياة بأي طريقة ما دام الموت يحيط بهم من كل جانب، ومثال على ذلك قول طرفة بن العبد:

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي

فدعني أبادرها بما ملكت يدي

ومن أهم الأسباب التي دفعتهم إلى الاغتراب هو محافظتهم على الحرية وَاغتربوا خوفًا من سلبها منهم سواء نتيجة ذلهم وخضوعهم، أو سبب تمردهم وَرفضهم للواقع ومحاولتهم للاستحواذ على ما يريدونه بشتى الوسائل، وأيضًا كان التنافس بين القبائل من أجل الحصول على أسباب الحياة سبب للاغتراب حيث كانت القبائل تتنقل وترحل بحثًا عن مقامات الحياة دافع الشعور بالاغتراب.

ونرى الاغتراب يسيطر على الصعاليك، حتى وهم داخل بلادهم وذلك ناتج عن إحساسهم بالعجز وعدم التأقلم مع مجتمعهم نتيجة الظلم، فيكتم كل مشاعر العجز والظلم ويخضع للواقع بذل وعن ذلك يتحدث عبيد بن أيوب حيث يقول:

فإني وبُغضي الإنس من بعد حبهم

وأبي ممن كنت ما إن أُزيلُه

كالقصر جلىّ بعدما صاد

قديرًا ومشويًا ترف خرادلُه

أهابوا به فازداد بُعدًا

على النأي يومًا طلّ دُجن ووابلُه

أزاهدةٌ في الأخلاء أن رأت

فتى مُطردًا قد أسلمته قبائِلَه

فيكون الاغتراب في داخل الوطن من أقسى أنواع الاغتراب، حيث يتمنى الفرد أن يجد الأمن والمعيشة المنعمة بين خلانه وفي أحضان وطنه، وإذا لم يتحقق له ذلك وعانى من الظلم أهله وقومه، رفض ذلك وتمرد وخالف العادات ورفض كل عُرف، وانقسام عن موطنه متحدياً رافضاً للأنظمة.

ونرى أغلب الصعاليك اغتربوا خوفاً من الفقر والعوز وهذا سحيم يبكي متحسراً على الحياة، ويخاف على بناته في هذه الحياة القاسية داخل قبيلته التي عاش بها ذليل خاضع حيث يقول:

لقد زاد الحياة إلي حُباً

بناتي إنهن من الضعاف

فخامة أن يذقن البؤس بعدي

وأن يشربن رنقاً بعد صاف

وأن يَعرين إن كسِيَ الجواري

فتنبو العين عن كرم عجاف

ومنهم من ثار وضج من أجل كرامته مطالباً بالعدل والمساواة رافضاً الظلم والاستبداد وهاموا في الصحراء، ومنهم عبيد بن أيوب الذي قال:

يظلُّ وما يبدو لشيء نهارُه

ولكنمّا ينباع والليل دامس

أزلُ وسعلاةٌ وغولٌ بقضوةٍ

إذا الليل ورأى الجن فيه أرنتِ

ومنهم من طرد من قبيلته وعاش معاناة الاغتراب جراء هذا الطرد أمثال خفاف بن ندبة الذي قال:

أراني كلما قاربتُ قومي

نأوا عني وقطعُهم شديد

سئمت عتابكم فصفحت عنهم

وقلتُ لعلَّ حِلمهم يعود

متى أبعد فشرُهم قريب 

وإن أقرب فودهم بعيد

ومن أسباب الاغتراب التي ذهبت بالناس لترك قبائلهم عادة الانتقام حيث كانت القبائل تغير على بعضها البعض من أجل الثأر مما يدفع الناس للانتقال والبعد عن القبيلة خوفاً من الموت، ونرى ذلك في أبيات الشَظيم الغساني الذي هرب عن عشيرته خوفاً من الثأر عندما قتلاً رجلاً حيث قال على مفارقة الديار:

سأمدح مالكاً في كل ركبٍ

لقيتهم وأترك كلَّ رذل

وقد عرفت كِلابُهُم ثيابي

كأني منكم ونسيبُ أهلي

نمت بِكَ من بني شمخ زنادٌ

لها ما شئت من فرعٍ وأصلِ

أنواع الاغتراب عند الصعاليك

1- الاغتراب الاجتماعي: عاش الصعاليك في مجتمعاتهم حياة كلها عنصرية منهم من ذاق المعاناة بسبب بشرتهم السوداء، وكانوا ينسبوا إلى أمهاتهم اللواتي عملن في المنازل ومنهن الجواري، وعندما ينجبن مولودهن ينُكره آبائهم من الأحرار فَينسبوا إلى أمهاتهم أمثال قيس بن الحدادية.

وبخصوص حالة بن شداد لم يكن عبداً إنما بشرته سوداء حيث كان والده يجبره أن يُغير على الأعداء مقابل أن يعطيه حريته، وكانوا عندما يحتاجونه فارساً مغواراً يسمونه بابن الأطايب وعندما لا يحتاجونه في شيء ينادونه بابن زبيبة وعن ذلك تحدث:

يُنادونني في السَّلم يا ابن زبيبةٍ

وعند صدام الخيل يا ابن الاطايب

العبد عبدكم والمال مالكم

فهل عذابُك عني اليوم مصروف 

وعاش نفس الظروف عروة بن الورد عن ذلك يقول:

إذا قيل يا ابن الورد، أقبل إلى الوغى

أجبتُ لاقاني كميٌّ مُقارعُ

فما أنا مما جرَّت الحربُ

ولا أنا مما أحدث الدهر جازِعُ

2- الاغتراب الاقتصادي: انقسمت المجتمعات إلى جزأين حيث برز منهم الأثرياء المترفين والفقراء الذين حاولوا بعدة طرق كسب الرزق وتغطية احتياجاتهم، فسرقوا ونهبوا واغَتربوا من أجل البحث عن الرزق ومثال عليهم عروة والذي يقول في ذلك مخاطباً زوجته:

دعيني للغنى أسعى فإني

رأيت الناس شعرهم الفقر

وأبعدهم وأهونهم عليهم

وإن أمسى له حسب وخير

ويقصيه الندي وتزدريه

حليلته وينهره الصغير

3- الاغتراب السياسي: عاش الصعاليك معاناة الظلم والاستبداد من السلطة الطاغية في بلاده وعاش ذليلاً في سجون مسلوب الحرية ذليل، ومنهم من تناولوا في أشعارهم أنواع العذاب الذي تعرضوا له في هذه السجون من تقييد وضرب وإهانة أمثال عبيد الله الجعفي الذي يصف معاناته وغربته جراء السجن حيث يقول:

من مبلغ الفتيان أن أخاهم 

أتى دونه باب شديد وحاجبه

بمنزلة ما كان يرضى بمثلها

إذا قام عنده كبول تجاوبه

وفي النهاية نستنتج أن ظاهرة الاغتراب برزت في قصائد الصعاليك الذين تمردوا على الواقع بسبب الظلم والاستبداد الذي وقع عليهم في بلادهم، تمردوا وحاولوا تحسين ظروفهم في شتى الوسائل والطرق.

المصدر: في الأدب العباسي تأليف محمد مهدي البصير 2020تاريخ الأدب العربي في العصر العباسي تأليف السباعي بيومي 2020أدب السياسة في العصر الأموي 2020شعر من المهجر تأليف محمد قرة علي 2018أدب في العصر الجاهلي 2014


شارك المقالة: