قصة أعلى القمة

اقرأ في هذا المقال


يُعتبر الكاتب والمؤلف خورشيد دوست محمد وهو من مواليد دولة أوزبكستان من أهم وأبرز الكُتاب المعاصرين، وقد اشتهر بكتابة العديد من الأعمال الأدبية المتميزة، كما حصل على العديد من الجوائز العالمية كتكريم له على الإبداع الذي تميز به في سرد حبكة القصص والأسلوب الروائي المستخدم، ومن أشهر أعماله الأدبية قصة أعلى القمة والتي تمت ترجمتها إلى العديد من اللغات العالمية ومن ضمنها اللغة العربية، كما تم تجسيدها في العديد من المسلسلات والبرامج التلفزيونية، وقد لاقت انتشار واسع حال صدورها؛ وذلك جراء الموضوع الذي تناولته القصة.

قصة أعلى القمة

في البداية كانت تدور وقائع وأحداث الرواية عن سيرة ذاتية للكاتب وحول تفكير الإنسان، حيث أنه أي إنسان أول تفكير يتراوح إلى ذهنه هو البحث عن تعزيز لشخصيته وأن يبدع في كسب الكثير من الأموال ويحقق مستوى معيشي مريح، فهناك العديد من الفئات المجتمعية التي تتوجه للعمل في مجالات مختلفة ومتنوعة من أجل تحقيق سبل الراحة والاستقرار، وآخر يسعى إلى أن يكون ذات شأن في نظر المجتمع والبلاد، وآخر يحفر في قرن الثور أو يسعى إلى تنظيم حزب جديد، إذ يكرس حياته للكمال المعنوي والنفسي، وهناك مجموعة كبيرة من الناس تبحث عن العزة عن طريق الإيمان والتعمق في الدين.

ومما لا شك فيه أن الصلاة هي من أكثر الأمور التي يجدها الإنسان أنها عبارة عن معراج لكل مسلم وأن فريضة الصلاة هي من أعلى مراتب الحج، ولكن أكثر ما تيقنت به هو أن عبادة الحج هي أنسب اختبار في إظهار جوهر الإنسانية التي تكمن في مكمون كل مسلم، وفي أحد الأيام حصلت على جائزة تمثلت في تذكرة للسفر للحج، وحينما وصلت هناك وبدأت أردد عبارة: لبيك اللهم لبيك وقد كان الشك يملأ قلبي، حيث بدأت بالتساؤل في نفسي: بأنه هل سوف يقتلع الحج الشك والخوف من قلبي وجوفي، وهنا تذكرت وجه كل من والدي ووالدتي رحمهما الله، وحينما سمعت أنني حصلت على جائزة سفر الحج كأحد الفائزين في المسابقة بين الأدباء والمبدعين، تمنيت لو أن والدّي يشاهدان أن هذه السعادة كانت من نصيب أصغر أبنائهما والذي كان عددهم تسعة.

وهنا أشار الكاتب إلى أن الحج عبادة لا مثيل لها، ولكن لكل عبادة جهتان باطنه وظاهرة، وكل ما تراود على مسامعي وقرأت حول الحج قبل سفري في تلك الرحلة كان عبارة عن مجموعة من المعلومات والتصورات حول شعائر ظاهرة لهذه العبادة، وفي اللحظات التي أقلعت بها الطائرة إلى السماء بدأت في البحث حول حقيقة هذه العبادة، كما فكرت في خصائصها المعنوية والباطنية والروحانية، وحول ما هو الحج؟ وما الفائدة التي يعود بها على الإنسان؟ وبأي شيء تغتني قلب المسلم؟ وهل يمكن أن يعي الجميع القوة الروحانية التي تكمن داخله؟ وهل تغير عبادة الحج من طبيعة الإنسان؟ وهذه التساؤلات وغيرها بدأت أبحث عن أجوبة لها لكوني كنت في تلك اللحظة شاهد مباشر.

وطوال الرحلة ولم تغادر تلك الأسئلة تفكيري، وحينما وصلت وبدأت في التجوال في شوارع مكة المكرمة والمدينة المنورة، ونسير في مخيمات منى في المساء، وبدأنا نبحث عن الطريق إلى جبل عرفة في بحار جموع من الناس الذين أضاعوا مسارهم تحت حر أشعة الشمس، ومن هنا نتجه بطريقنا إلى المزدلفة، وحين وصلنا إلى جبل عرفة لم نعرف طعم الراحة ولا حتى من أجل تناول الطعام، وبدت تشغل بالي تلك الأسئلة، وأشعر بأن قلبي لم يعد مرتاح ويلقنني شيئاً ما.

وبينما كنا نقف على التلال التاريخية التي حدثت فيها معركة أحد، وهناك على مقابر الصحابة السبعين المستشهدين، وحتى في الحالات الشغوفة والسحرية في المسجد النبوي، وآنذاك قررت بأنه يمكن إيجاد الهدوء والطمأنينة غير المتكررة إلا في مكان واحد من الكرة الأرضية، وهو بيت الله المسجد الحرام في مكة المكرمة.

وفي تلك الأثناء حينما دخلنا المسجد الحرام من باب الإسلام، وبدأنا نطوف في الكعبة المشرفة وأخذنا في صلاة ركعتين في مقام إبراهيم، وفي اللحظات التي كنا نسهر فيها عند عتبة بيت الله كان هناك اثنان وسبعون وعاء دموي، بالإضافة إلى سبعين ألف حجيرة في مقام السعادة الروحية، وقد كانت تلك اللحظات القليلة كفيلة بأن يتم نسيان الهوى كله، كما تحولت الهموم والمتاعب والمصاعب إلى ذرة ليس لها أي قيمة لها، وتذرف دموع الفرح في عيون الإنسان كشكر منه على وجوده في هذه الدنيا، وتتضح أمامه الرؤيا كروح صافية، كما تظهر الابتسامة على وجهه مثل الرضيع، كما يتوقف خياله عن التفكير، وتُنسى كافة الأسئلة حينما تقف وجها لوجه أمام البيت الحرام.

وفي لحظة من اللحظات أخذت بمراقبة الطواف حول كعبة الله من الطابع الثاني، والذي كان لا يتوقف عن الحركة ولو للحظة واحدة، ثم بعد ذلك توجهت إلى الطابق الثالث وعدت إلى المراقبة مرة أخرى من جديد وقد كان الطواف ما زال مستمر، ثم بعد ذلك توجهت ونزلت إلى الفناء وغرقت في مراقبة الطواف مرة ومرات عدة، وحينها آمنت أن أعلى قمة في العالم ليست في الحقيقة قمة إيفرست، بل هي في الحقيقة عند عتبة بيت الله الحرام، وفي قلب كل مسلم قام بيوم من الأيام بالسجود عند عتبة كعبة الله، هنا يبدو أي علو من الناحية المادية أو الناحية المعنوية أمر منخفضًا جدًا.

وفي النهاية ينبغي على كل إنسان أن يستشعر هذه اللحظات ولو لمرة واحدة في حياته، وعليه أن يتذوق ذلك السرور والفرح التي تنسيه أي مشقة أو صعوبات قد مر بها في حياته، وهي أخيراً عبارة عن علامة من علامات استجابة عبادة الحج، وأخيراً تأوه أحد الحجاج بينما كنا في طريقنا نحو مكة المكرمة، وقد كان ذلك بعد أن أقمنا في المدينة المنورة لمدة تقارب على الثلاثة أيام وهو يردد: اشتقت إلى كعبة الله! وهنا ارتعش جسمي، وقد بدأ يعذبني ذلك الشعور وأختلج صدري العديد من الاضطرابات التي لا يمكن وصفها على الإطلاق متى تذكرت من زيارتي إلى كعبة الله.

وبعد مضي عدة سنوات على تلك الرحلة، بدأت أسأل نفسي: ماذا نفعل حينما نشتاق إلى كعبة الله، فمن الأمور الطبيعية أن يشتاق قلب المسلم إلى عبادته وزيارته إلى عتبتها؟ وفي النهاية ما علينا إلا أن نصبر ونفتح أيدينا في الابتهال والدعاء، فندعو الله تعالى أن يقبل عبادة الحجاج، وأن تكون هذه السعادة من نصيب جميع إخواننا المسلمين الآخرين.

المصدر: Jajman - خورشيد دوست محمد - 2000


شارك المقالة: