أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

اقرأ في هذا المقال


يَشتَشهِد الحجّاج بن يوسف الثَّقفي، بعدما اعتلى منبر الكوفة في أوّل خطبة له، عندما ولّاه عبدالملك بن مروان على العراق، بهذا البيت المشهور: أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا… متى أضع العمامة تعرِفوني.  ويظنُّ مُعظم النّاس أنَّ هذا البيت من الشّعر يعودُ لأميرِ العراق ” الحَجّاج بن يوسف الثّقفي”، والحقيقة أنَّ الحَجّاج تَمثَّل واستَشهَدَ بهذا البيت على منبر الكوفة في أول خطبة له، والبيت في الأصلِ ليسَ له.

من هو قائل بيت أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

قائل هذا البيت هو الشّاعر المُخَضرَم سُحَيم بن وَثِيل بن عمرو الرِّيَاحِيّ الحِميَريّ، أدرَكَ سُحَيم الجاهلية والإسلام، وعاش نحو مئة سنة، منها أربعون في الجاهلية، وستون في الإسلام. 
وكان سُحيم فارساً وشاعراً وشريفاً في قومه ذا مَنزلةٍ عظيمة وشريفة، وسُحَيم هذا كان من أجمل العرب وأوسَمهَا؛ حتى إنّه إذا دخل مكة المكرمة تَقَنَّعَ مَخافة أنْ تُصِيبهُ العين. وسُحَيم هو تَصغِير وتَرخِيم من السُّحمَة، وهو السَّواد؛ أمّا وَثِيل فمعناها اللِّيف والرِّشَاء الضَّعيف أو الحبل من القِنَّب، أي بمعنى حبل اللّيف الضعيف. كان من أهل الكوفة ثم سكن بادية السَّمَاوة في العراق، ورد ذِكرهُ في خلافة عثمان بن عفان؛ وعلي بن ابي طالب_ رضي الله عنهما_.

قصة بيت الشعر أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

بيت الشعر هذا من ضِمنِ قصيدةٍ للشاعر سُحَيم بن وَثِيل، قالهَا في رَدّهِ على أبناء عمّهِ؛ وقصة هذه القصيدة تقول: أنَّ رجلاً أتى الأُبَيرِد الرِّياحِيّ والأخوَص الرِّياحيّ، وهما ابنا عَمِّ سُحَيم، فطلب منهُمَا قَطِرَاناً لإبلهِ لكي يُدَاويها، فقالا له: نُعطِيكَ القَطِران بشرطِ أنْ تذهب لسُحَيم بن وَثِيل وتقول له:
فإن بَداهَتي وجِرَاءَ حَولِي
لذُو شِقٍّ على الحَطِمِ الحَرُونِ
يُريدَانِ من ذلك التَّعرض لسُحيم بأنّه لا يَبلغ غَايتهما لِكِبَرهِ وعَجزِه، وقد جاوز الخمسينَ من عُمرهِ. فذهبَ هذا الرجل لِسُحَيم وأنشده بيت الشِّعرِ هذا، فلَمَّا سَمِعهُ غَضبَ غضباً شديداً وأخذَ عَصاهُ وانحَدرَ إلى الوادي، وجعل يُقبِل ويُدبِر ساعة من زمان، ثمَّ عاد إلى الرجل وقال له: اذهب إليهما وقل لهما:

أَنَا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُِ الثَّنَايَا = متَى أضَعِ العِمامَةَ تَعرِفُوني
وَإِنَّ مَكَانَنَا مِنْ حِمْيَرَيٍّ = مَكَانُ اللَّيْثِ مِنْ وَسَطِ الْعَرِينِ
وَإِنِّي لا يَعُودُ إِلَيَّ قِرْنِي = غَدَاةَ الْغِبِّ إِلَّا فِي قَرِينِ
بِذِي لِبَدٍ يَصُدُّ الرَّكْبُ عَنْهُ = وَلاَ تُوتَى فَرِيسَتُهُ لِحِينِ
عَذَرْتُ البُزْلَ إذْ هِيَ خَاطَرَتْنِي = فَمَا بَالِي وَبَالُ ابْنَيْ لَبُونِ
وَمَاذَا يَدَّرِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي = وَقَدْ جَاوَزْتُ رَأْسَ الأَرْبَعِينِ
أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعًا أَشُدِّي = وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّئُونِ
فَإِنَّ عُلاَلَتِي وَجِرَاءَ حَوْلِي = لَذُو شِقٍّ عَلَى الضَّرَعِ الظَّنُونِ
سَأَحْيَا مَا حَيِيتُ وَإِنَّ ظَهْرِي = لَمُسْتَنِدٌ إِلَى نَضَدٍ آمِينِ
كَرِيمُ الْخَالِ مِنْ سَلَفَيْ رِيَاحٍ = كَنَصْلِ السَّيْفِ وَضَّاحُ الْجَبِينِ
فَإِنَّ قَنَاتَنَا مَشِظٌ شَظَاهَا = شَدِيدٌ مَدُّهَا عُنُقَ الْقَرِينِ

فَذهب الرجل إليهما وأخبَرهمَا بأبياتِ سُحَيم هذه؛ فأتياه فاعتذرا إليه فقال لهما: إنَّ أحدَكُما لا يرى أنّه صنع شيئاً، حتّى يَقِيسَ شِعرهُ بِشِعرنَا وحَسَبهُ بِحَسبِنا، ويَستَطِيفُ بنا استِطَافة المُهرِ الأزَبّ!! فقالا له: فهل إلى النَّزعِ من سبيل؟ قال: إنّا لَم نَبلُغ أحسَابنَا.

فهذا الشّاعر عندما افتتَح قَصيدتهُ بقولهِ:
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني
فهو قد وصفَ نفسهُ بأوصافِ العُلا والمكانةِ العالية، والمَقامِ الشّريف؛ فابن جلا هنا يعني: السَّيد الأرِيب الشَّريف العالي المقام؛ ومعنى جلا الأمر؛ أيّ بَيّن الأمر وَوضَّحَهُ وَكَشفه، أي أنّهُ أرادَ أنْ يقول: إنّ أبي رجل واضحٌ وله مكانتهُ بين قومهِ فهو الشّريف صاحب المقام العالي. وطلّاع الثَّنايا، تُعني أيضاً: السَّيد الأبِيّ الشَّريف، النَّافِذ البَصيرة، مُذَلِّل الصِّعَاب.

من حياة سحيم بن وثيل

تذكر الروايات أنّ سُحيم قد سُجنَ في خلافة عثمان بن عفان_ رضي الله عنه_، لاستِعدَاء سَمُرَة بن عمرو بن قِيراط العَنبريّ، الذي استخدمه عثمان على هَوامِي إبل عمرو بن تميم وفَلْج وما يليها، وكان من سبب حبسه صَرعهِ لعُبَيد بن غَاضِرة بن سَمُرَة، فحبسه عثمان ولَمْ يُخرجه من سجنه إلّا بعد أنْ قامَ بأمرهِ وحلِّ مُشكلتهِ؛ مسعود بن جَندل، ونُعيم أبو قُرّان اليَربُوعي، إذْ دَفَعا إلى سَمُرَة مئة من الإبل فأسقط سَمُرَة حقه، وخرج من السّجن، وفي ذلك يقول سُحيم:
كَفاني أبــو قُرَّان نفسي فِـدَاؤه
ومن يَـكُ مَولاهُ فليس بواحدٍ.
ويُذكَر من قِصّةِ هذا الشاعر، أنّهُ نَافَرَ غالب بن صَعصَعة والد الشاعر الفرزدق، ومعنى نَافَرَ؛ أي فَاخَرهُ بالحَسَبِ والنَّسَبِ، وكان ذلك في أيام الخليفة علي بن أبي طالب في عَامِ مَجَاعَة، إذْ تَبَارى الرَّجلان في نَحرِ الإبل لإطعام الناس، وبالغ سُحيم في النَّحر بعد مُدة من المُنَافَرة وانتهاء المجاعة، فذبح إبله كلها، وكانت أكثر من مئتين؛ مِمَّا دفعَ الخليفة إلى منعِ الناس أكل ما ذبحَ سُحيم قائلاً:” إنَّها مِمّا أُهِلَّ بها لغير الله” ولم يَكُن الغرض من ذبائحه إلاّ المُنافَرة والمُبَاهاة في الحَسَب والنَّسب، فجُمعت لُحومهَا على كِناسة الكوفة، فأكلتها الكلاب والعُقبَان.
ويَصِفهُ ابن سَلَّام الجُمَحي في كتابهِ” طبقات فُحول الشّعراء”؛ بأنه شاعر «خَنذِيذ» أيّ مُجِيد مُفلّق، وقد عاش هذا الشاعر المُخَضرم أربعين سنة في الجاهلية، وستّين في الاسلام وبهذا يكون قد ولد قبل الهجرة النبوية بأربعين سنة وتوفي عام ٦٠ للهجرة؛ وهو العام الذي توفي فيه الخليفة الاموي الأول معاوية بن ابي سفيان، رحمه الله.


شارك المقالة: