كان أبو بكر الصديق من أوائل الذين اعتنقوا الإسلام، لقد كان صديق مقرب للنبي محمد، كما أنّه أصبح الخليفة الأول للإمبراطورية الإسلامية، ساعد أبو بكر صديقه النبي محمد في مهمته في السراء والضراء وبقي إلى جانبه حتى نهاية أيامه.

 

الخليفة أبو بكر الصديق:

 

بعد وفاة النبي أصبح أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أول الخلفاء الراشدين، في فترة حكمه القصيرة التي امتدت لسنتين أعاد توحيد شبه الجزيرة العربية وبدأ الفتوحات في سوريا والعراق، التي استمرت لاحقاً بنجاح من قبل خلفائه حتى عام 656 ميلادي، عندما اندلعت أول حرب أهلية إسلامية الفتنة الأولى توقف التوسع مؤقتاً، في عهد أبي بكر جمعت الآيات التي أملاها رسول الله محمد في شكل الكتاب المقدس الإسلامي وهو القرآن الكريم.

 

أبو بكر  هو عبد الله بن عثمان أبو قحافة من عشيرة بني تيم من قبيلة قريش، ولد في مكة المكرمة عام 573 ميلادي، اسمه الحقيقي عبد الله، كان أبو بكر يلقب أُطلق عليه بسبب حبّه للإبل، أي “والد عجل الإبل”، لكن هذا الاسم الأخير اشتعل وغالباً ما يشار إليه به، كان ينتمي إلى عائلة تجارية ثرية ومتعلمة جيداً، كما كان لديه ذاكرة حادة وولع بالشعر، الذي كان من السمات الجوهرية للسادة العرب.

 

أكسبه دعم أبو بكر الصادق والواسع للنبي لقب الصدِّيق والتي تعني أنّه جدير بالثقة، عندما بدأ نبينا محمد في الدعوة إلى الإسلام عام 610 م يلادي، أصبح أبو بكر الذي كان صديق مقرب له أول من اعتنق الإسلام من الرجال، كانت خديجة بنت خويلد زوجة الرسول أول من اعتنق الإسلام، كان أبو بكر أكثر الحلفاء دعماً للنبي محمد ولم يساعد النبي مالياً فحسب، بل أقنع أيضاً العديد من أصدقائه وزملائه وعائلته أيضاً بقبول الدين الجديد.

 

مع ذلك حتى ثروة أبو بكر وسمعته لم تستطع إنقاذ محمد ومجموعة صغيرة من أتباعه من الفظائع المكية، لم يكن أبو بكر نفسه محصن ضدهم أيضاً، إلّا أنّه لم يتراجع عن الدين الجديد ودفع مقابل حرية العديد من العبيد الذين اعتنقوا الإسلام بلال بن رباح، تركت وفاة عم النبي أبو طالب المؤثر عام 619 ميلادي مجموعة صغيرة من المسلمين أكثر عرضة للخطر من أيّ وقت مضى، في هذه اللحظة المحورية جاءت الدعوات من يثرب (المدينة المستقبلية) للنبي وأصحابه للحضور.

 

بمجرد وصوله إلى المدينة استمر أبو بكر في دعم النبي محمد وأصبح أحد مستشاريه في شؤون الدولة، كما شارك في معارك كبرى مع المكييّن مثل معركة بدر ومعركة أحد، كما ربط أبو بكر ابنته عائشة بالنبي في عش الزوجية لتوطيد ارتباطه به كما كانت العادة في ذلك الوقت، كما أدى صلاة الجماعة في المسجد النبوي (المسجد النبوي) في آخر أيام النبي عندما كان مريضاً.

 

عندما توفي النبي محمد عام 632 ميلادي كان المجتمع الإسلامي في حالة صدمة، حتى أنّ البعض رفض تصديق رحيله، لولا تحذيراته لربما كان الناس يبجلونه كشخصية إلهية، لكنه أوضح تماماً أنه أيضاً إنسان وملتزم بقوانين الطبيعة، مع ذلك واجه الناس صعوبة في التأقلم مع حقيقة أنّهم لن يهتدوا بالوحي الإلهي، حشد أبو بكر المجتمع وخاطبهم ووضَّح لهم أنّ محمد قد مات ولكنّ الله حي لا يموت.

 

الخليفة الأول للإسلام:

 

كان أول عمل قام به أبو بكر بصفته خليفة هو إرسال قوة استكشافية إلى سوريا، ذلك للانتقام من هزيمة معركة مؤتة، كما خطط النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذه القوة لم تكن ناجحة جداً إلّا أنّ الغارات اللاحقة حققت الكثير، هذا لا يعني فقط أنّ المسلمين لم ينسوا رفاقهم الذين سقطوا ولكن أيضاً لإعلان أنّ الخلافة ستواصل ما بدأه النبي محمد، ظهر العديد من الأنبياء الدجالين في قبائل مختلفة، كان أبرزهم قد بدأ نشاطه في السنوات الأخيرة من النبي محمد وهو المسيلمة.

 

لكن ظهرت قضية أخرى في الصحاري شرقي المدينة، القبائل البدوية التي تقبلت الإسلام بشكل أقل لدوافع روحية وأكثر لأسباب سياسية، تخلت الآن عن دعمها للدين الجديد، زعموا أنّ عهدهم انتهت مع وفاة محمد، حتى أنّها رفضت تقديم الزكاة إلى المدينة المنورة، لم يستطع أبو بكر أن يترك العرب يبتعدون عن عالم سيده، كذلك السماح لهم بتشكيل وتحريف إيمانه إلى نسخ مختلفة، تماماً كما في زمن محمد.

 

كانت المدينة المنورة معقل للإسلام ضد جحافل العرب المتمردين، لو كان أبو بكر يفتقر إلى المهارات القيادية لما كان ليقف في وجه المهمة الهائلة، لكن كما كان على وشك أن يظهر كان أكثر من مؤهل لمنصبه، بعد أن أمّن المدينة المنورة من غزوات هؤلاء المرتدين، أعلن الجهاد ضد الخونة.

 

استدعى جميع رجال الدين الأصحاء تحت راية الإسلام، استخدم الانقسام المؤقت بين مختلف القبائل المتمردة لإخضاعهم واحدة تلو الأخرى، تمّ تسمية هذه الحروب فيما بعد حروب الرضا أو حروب الردة، بحلول نهاية السنة الأولى من حكمه، كان أبو بكر قد أعاد توحيد شبه الجزيرة العربية، على الرغم من أنّ استخدام السيف لم يسلم في ساحة المعركة، إلّا أنّه لم يقم بأي محاولة لمعاقبة أعدائه بعد استسلامهم.

 

قُتل مسيلمة في معركة اليمامة على يد جيش بقيادة خالد بن الوليد، الذي على الرّغم من الخلافات الكثيرة ضده كان القائد الأكثر ولاءً لأبي بكر الصديق، مما وفر له حصانة كاملة من الخليفة ضد كثيرين ممّن رغبوا في رؤيته ميتاً، على الرغم من أنّ عددهم فاق عددهم بشكل كبير عشيّة المعركة الحاسمة، إلّا أنّ خالد أظهر قيمته كقائد ولم يخسر معركة واحدة من قبل، كما لم يكن لديه نية لخسارة ذلك اليوم، كان على دراية تامة بالطبيعة المتقلبة لمقاتلي الصحراء ومدى الأهمية التي يعلقونها على الناس بدلاً من قضيتهم.

 

غزو ​​العراق وسوريا:

 

قرّر أبو بكر الصديق على خطى النبي محمد توجيه الطاقات الناشئة للمحاربين العرب، إلى الأراضي المجاورة لسوريا (تحت حكم البيزنطيين) والعراق (تحت الإمبراطورية الساسانية )، لم تستنفد القوتان العظميان مواردهما بحربهما المستمرة فحسب، بل وصل الاستياء بين الجماهير أيضاً إلى مستويات غير مسبوقة، هكذا عندما ظهرت الجيوش الإسلامية على حدودها، سارع الموالون للإمبراطوريات للنجاة بحياتهم بينما كان المونوفيزيون والنسطوريون في قبلت الإمبراطورية البيزنطية والعرب غير الزرادشتية في العراق عن طيب خاطر أسيادهم الجدد.

 

أرسل خالد إلى العراق حيث انضم إليه سيد عربي قوي ساعده على الاستيلاء على مدينة حراء العراقية، على الرّغم من نجاحه وحسن انضباطه في ساحة المعركة، إلّا أنّ خالد بن الوليد عصى أوامر خليفته الواضحة بإعدام أسرى الحرب الساسانيين بوحشية، في غضون ذلك في سوريا كان الامبراطور البيزنطي هرقل ملك مفعم بالمحارب ومستعداً لهجوم مضاد فعال، نظراً لأنّه لم يستطع قيادة جيشه بنفسه بسبب مرضه، فقد عين شقيقه في المسؤولية.

 

شعر أبو بكر الصديق بشكل صحيح بهجوم مضاد وشيك ومعرفته بالحرب البيزنطية، ولم يخاطر وأمر خالد بمغادرة العراق والانتقال إلى سوريا؛ لأنّ مهاراته العسكرية فقط هي التي يمكن أن تضاهي مهارات أعدائه، انتقل خالد عبر الصحراء التي لا تتبع لها آثار وخالية من المياه إلى سوريا مع الجميع باستثناء عدد قليل من الرجال المختارين وبعض الجمال لاستخدامها كخزانات مياه، بعد مداهمة الأراضي السورية حشد جيوش المسلمين في المنطقة وواجه البيزنطيين في معركة أجنادين، التي كانت انتصاراً حاسماً للرشيديين وعززت موقعهم في المنطقة.

 

مع ذلك في غياب خالد بن الوليد وجه الساسانيون ضربة قاسية للقوات العربية في العراق، ممّا أوقعهم في مكاسبهم، ربما كانت أعظم نقاط قوة أبي بكر الصديق هي طبيعته الهادئة والحازمة، فبدلاً من الانفعال كما كان معظم العرب، فضل اعتماد نهج أكثر عقلانية في الأمور كما يتضح من دعمه لخالد بن الوليد، على الرّغم من أنّ الجنرال لم يكن نموذج للفضيلة، إلّا أنّ أبو بكر الصديق أدرك قبل الآخرين أنّه رصيد لا يمكن الاستغناء عنه.

 

تجميع القرآن:

 

أمر أبو بكر بجمع كل الآيات المكتوبة مع أصحاب الرسول الذين حفظوا القرآن عن ظهر قلب، حيث كلّف كاتب موثوق به للنبي وهو رجل يُدعى زيد بن ثابت؛ ليجمعها بنفس التسلسل الذي أمر به النبي بشكل دقيق، من ثمّ أُجبر على الامتثال لطلب عمر بن الخطّاب، حيث حافظ في النهاية على الوحي الذي أملاه محمد لأكثر من ملياري من أتباعه ليقرأوها اليوم، أشار عمر إلى عدد الصحابة الذين ماتوا في اليمامة وتوقع وقت لم يبق فيه أحد ليذكر القرآن عن ظهر قلب.

 

كما حذّر أبو بكر من احتمال أن تكون الآيات التي كتبت في عزلة، التغيير الذي لا يمكن أن يحدثه أبو بكر، تمّ الحرص الشديد على عدم تغيير كلمة واحدة من الكتاب المقدس، كما هو الحال في نظر المسلمين فإنّ ذلك سيكون خطيئة كبرى، بعد وفاته سلمت النسخة إلى حفصة (605-665 م) ابنة عمر وأرملة الرسول لحفظها.

 

الموت والإرث:

 

لم يعمر أبو بكر طويلاً لسماع بشرى النجاح في أجنادين والنكسة الصغيرة في العراق، إذ توفي لأسباب طبيعية عام 634 ميلادي، قبل رحيله عن هذا العالم رشّح عمر بن الخطاب أقوى مؤيديه وأكثرهم قدرة خليفةً له، الذي سيعزز القوات الإسلامية في العراق ويأمر بمزيد من التوسع في سوريا، كان عمر سيحمل نفس معايير القيادة، ممّا سيسمح له بتوسيع نفوذ الإسلام.