الحالات التي يفطر بها الصائم عند حصول له مشقة:

إنّ المشقة الحاصلة لأصحاب الأعذار من المرضى والمسنين وغيرهم بسبب الصوم تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: وهي مشقّة لا ينفك عنها الصوم غالباً، كمشقّة الصوم في شدّة الحرّ أو البرد، ومشقّة طول النهار، وحصول الجوع والعطش المعتادينِ، فهذه المشقّة لا أثر لها في الإفطار، ولا يجوز لصاحب العذر أن يفطر بسببها؛ لأنَّ هذه المشقة لو أثّرت لدخلت معها مصالح العبادات في جميع الأوقات أو في غالبها ولذهب ما ترتَّب عليها من الأجر والمثوبة.

القسم الثاني:  وهي مشقّة ينفك عنها الصوم غالباً، وهذه المشقّة يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراتب:

  • مشقة عظيمة فادحة يخاف صاحبها منها الهلاك، أو هلاك منافع الأعضاء، أو المرض الشديد، فهذه المشقة مُوجبة للإفطار قطعاً؛ لأن حفظ النفس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من أنّ تتعب وتتعرَّض للهلاك بالصوم.
  • ومشقة خفيفة مثل أن تكون صداعاً أو سوءَ مزاجٍ خفيفاً، وهذه المشقة مُلحقة بالقسم الأول، ولا أثر لها في التَّخفيف وغير مُبيحة للفطر؛ لأنّ تحصيل مصالح الصوم وما ترتب عليه من الأجر والمثوبة أولى من دفع هذه المفسدة الخفيفة التي لا أثر ولا قيمة لها.
  •  مشقة متوسطة بين المرتبة الأولى والثانية، حيث تكون أخفَّ من المرتبة الأولى، وأشدَّ من المرتبة الثانية، فهذه المشقّة إذا دنت من أيِّ واحدة من المرتبتين الأولى والثانية فقد أخذت حكمها، وإذا كانت تسبِّب المرض والضعف الشديد؛ فهي مبيحة للفطر، وإذا كانت لا تسبِّب المرض في الحال بل تزول مع الإفطار بعد الغروب؛ فهي غير مُبيحة للفطر.

وهذه المرتبة قد تختلف حولها أنظار المجتهدين، فقد يعتبرها بعضهم من المرتبة الأولى، وبعضهم الآخر يعتبرها من المرتبة الثانية، فيعمل في هذه الحالة بقاعدة التقريب، وهي أن تلحق بأقرب المرتبتين، أو تلحق بما ورد فيه النص بجواز الإفطار كالسفر، فإذا كانت هذه المشقّة تماثل المشقّة الواقعة بالسفر التي أبيح فيها الفطر فيجوز لهُ الفطر.

و هناك أمران آخران سنستعين بهما في مثل هذه الحالة:

الأول: مراجعة طبيب مسلم ثقة ليقرِّر إمكانية الصوم من عدمها، وإذا كان يضرَّهُ ذلك في الحال أم لا، ولاسيما فقد تقدمت آلات وأجهزة الكشف عن بعض الأمراض، وآلات قياس الحالة الصحية للإنسان.

الثاني: ما يعرفه الشخص صاحب العذر من نفسه بالتّجربة إذا ما كان يضره الصوم أم لا يضره، وما مدى ذلك الضرر، وإلى أين سيوصله ذلك الضرر.

الجوع والعطش الشديدان:

إذا غلب على الصائم الجوع أو العطش الشديد الذي يخاف منه الهلاك أو نقصان العقل، أو ذهاب البصر أو السمع أو بعض الحواس الأخرى، فيجوز له أن يفطر بما يسدّ رمقه، ثم بعد ذلك يُكمل صيامه ويقضي؛ لقول الله تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) .ّ

وقال تعالى:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ، وقال تعالى:(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، وقال الله تعالى: (يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ؛ وقضى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: ” لا ضررَ و لا ضرار”، وهذا بمنزلة من فقد الطعام والشراب، ثمّ وجد الميتة، فلهُ أن يأكل منها ما يسدُّ رمقَهُ ثم يُمسك، وقد قال الله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم) ؛ ولقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم ) وغير ذلك من الأدلة.

(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم ) وغير ذلك من الأدلة.

حكم من أفطر في رمضان بسبب العطش:

حكم من أفطر بسبب إرهاق العطش له، فإذا كان قد أفطر؛ لأنهُ لم يستطع إكمال الصوم بسبب شدّة الظمأ، وبسبب الإرهاق الذي أصابه وخاف على نفسه من الموت أو المرض الشديد، فهذا له عذر، وليس عليه إلّا أن يقضي يوماً بدل اليوم الذي أفطره، يعني: ثلاثة أيام بدل ثلاثة أيام فقط لا زيادة، إذا كان فطرهُ بالماء، أما إذا كان فطرهُ بالجماع فهذا شيء آخر، لكن إذا كان فطره بالماء فعليه قضاء اليوم فقط .


وأمّا إذا كان هناك ضرورة مثل الألم الشديد، فعليه التوبة مع القضاء، قضاء يوم فقط، عن كل يوم يوم، عن ثلاثة ثلاثة، مع التوبة إلى الله، أمّا إن كان الأمر خطيراً، يعني أصابه شدّة عظيمة، وخاف من مرض شديد أو من موت فهذا عذر، فيقول الله تعالى:( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)”الأنعام:119″ .

ولا يجوز له أن يبالغ في الشرب، فلهُ الحق أنّ يشرب قدر الحاجة ومن ثمّ بعد ذلك يمسك ، فشربه يكون من أجل الظمأ فقط . ويجوز أن يأكل ما يسدّ به رمقهُ فقط، وهكذا لو أن الإنسان أراد إنقاذ إنسان آخرمن غرق أو من عدو ولم يستطع إلّا بالفطر فعليه أن يفطر وينقذ أخاه، ومن بعد إنقاذه يمسك إلى غروب الشمس فعليه قضاء يوم واحدٍ فقط؛ لأنهُ أفطر للضرورة فقط؛ ولأنَّ إنقاذ المسلم واجب، وإنقاذ أخيه المعصوم واجبٌ عليه أيضاً .
 

حكم من أفطر في رمضان بسبب الجوع:

فمن تعمد الإفطار في نهار رمضان من غير عذر، فقد وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، وانتهك حرمة هذا الوقت المعظم، كما بينّاه على موقعنا في فتوى: “الإفطار في رمضان من غير عذر”.

أمّا إن كان الجوع والعطش اللذين شعرتَ بهما مفرطينِ ومرهقينِ وغير متحملينِ، فيشرع لكَ الإفطار، بقدر ما تندفع به الضرورة؛ فقد أوجب الفقهاء على من خاف الهلاك على نفسه، أو على غيره، أن يفطر وينقذ نفسه بقدر ما يحفظ عليه حياته؛ لقوله تعالى:(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) “البقرة: 173”.

وقال تعالى:(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195]. أما مجرد الشدّة والمشقّة المحتملة، والتّعب بسبب الصوم، فلا يبيح الفطر؛ لأنَّ هذا شيء لا يسلم منه غالب الناس .