فلسفة بيتي في بعض أعماله الفلسفية

اقرأ في هذا المقال


كان أشهر أعمال جيمس بيتي الفلسفية (نشر أيضًا عدة مجلدات شعرية بالإضافة إلى مجموعات من المقالات) مقالًا عن طبيعة الحقيقة وثباتها، وهو نقد لاذع لشك ديفيد هيوم والذي يعتبر خطرا معنويًا على المجتمع، في حين أنّه من منظور فلسفي بالكاد يكون تفنيدًا لفكر هيوم (باستثناء هجوم بيتي على ملاحظات هيوم على الدونية الطبيعية للأشخاص ذوي البشرة السوداء)، إلّا أنّ المقال كان شائعًا للغاية وأدى إلى لقاء مع الملك جورج الثالث وكذلك معاش سنوي، وكان عمل بيتي الرئيسي الآخر هو عناصر العلوم الأخلاقية.

بيتي ضد هيوم في مفهوم العنصرية:

على الرغم من أنّ مقال عن الحقيقة مكرس إلى حد كبير لإعادة ترسيخ حقوق الفطرة السليمة في مجالات نظرية المعرفة والميتافيزيقيا، إلّا أنّه يتضمن نقدًا قويًا لعنصرية الفيسلوف ديفيد هيوم في عمل بيتي (Beattie Contra Hume on Racism)، فما هي عنصرية هيوم؟ بالنسبة للبعض قد يكون لهذه العبارة صوت غريب وجديد، وبعد كل شيء عادة ما يتم تصوير هيوم على أنّه شفيع عصر التنوير: كوزموبوليتاني (عالمي) عبقري ومعقول بشكل لطيف ومهذب وودي بلا كلل، كما يقترب من فكرة الرجل الحكيم والفاضل تمامًا مثل طبيعة الضعف البشري المحتمل، وسيسمح (في كلمات صديقه آدم سميث).

ومع ذلك في مقال هيوم عن الشخصيات الوطنية نلمح جانبًا مختلفًا من ديفيد الصالح (le bon David) هناك وفي حاشية سفلية سيئة السمعة أوضح هيوم في إحدى مقاطعه بأنّه على استعداد للاشتباه في أنّ الزنوج يكونون بطبيعة الحال أدنى من البيض، حيث نادرًا ما كانت هناك أمة متحضرة من تلك البشرة، ولا أي فرد بارز سواء في العمل أو التكهنات، ولا توجد صناعات بارعة بينهم ولا فنون ولا علوم، وهناك عبيد زنوج منتشرون في جميع أنحاء أوروبا ولم يكتشف منهم أي أعراض للإبداع.

في مقالته عن الحقيقة يدين بيتي هذه المشاعر ويعتبرها هذه التأكيدات قوية، ولكنه يصرّح بأنّه لا يعرف ما إذا كان لديهم أي شيء آخر يوصون بهما، كما أنّ بيتي لا يتوقف عند هذا الحد فبيتي لا ينفجر فقط ضد عنصرية هيوم بعرض يخدم الذات من السخط الواضح، بل بدلاً من ذلك يشمر عن سواعده ويحلل ببراعة حجج هيوم المؤيدة للعنصرية.

1- يشكك بيتي في تأكيدات هيوم الأساسية حول الإنجازات (أو الافتقار المزعوم) للمجتمعات غير الأوروبية فيقول: “نحن نعلم أنّ هذه التأكيدات غير صحيحة فمن المعروف أنّ الأفارقة والأمريكيين لديهم العديد من المصنوعات والفنون البارعة بينهم حتى الأوروبيين سيجدون أنّه ليس من السهل تقليدها”.

2- علاوة على ذلك يقول بيتي إنّ منطق هيوم غير صالح، وذلك لأنّه حتى لو كانت ادعاءات هيوم صحيحة فإنّ استنتاجه لن يتبع فيقول: “يمكن للمرء أيضًا أنّ يقول عن رضيع أنّه لا يمكن أبدًا أن يصبح رجلاً كأمة الآن بربرية لا يمكن أبدًا أن تكون متحضرة”، وإذا كان أي شخص يشك في ذلك فإنّه يحتاج فقط إلى أن يتذكر أنّ سكان بريطانيا العظمى وفرنسا كانوا متوحشين قبل ألفي عام، كما هو الحال في أفريقيا وأمريكا في هذا اليوم.

3- لم يتأثر بيتي بحجة هيوم بأنّ: “هناك عبيد زنوج منتشرون في جميع أنحاء أوروبا ولم يكتشف منهم أي أعراض للإبداع”، ويصر بيتي على أنّ هذا الادعاء غير مبرر كما أنّه خاطئ، ولكن حتى لو كان ذلك صحيحًا فلن يبرر الإيمان بأطروحة الدونية الطبيعية عند هيوم لأنّ حالة العبد ليست مواتية لأي نوع من العبقرية.

4- بينما لا يقلل بيتي من الإنجازات الأوروبية في الفنون والعلوم إلّا أنّه ينفي إمكانية استخدامها لإثبات تفوق الدول أو الأجناس الأوروبية، كما يؤكد إلى أي مدى تم اكتشاف الإنجازات التي تفتخر بها الدول الأوروبية إما عن طريق الصدفة أو اختراعات قلة موهوبة والتي يجب أن ينسب إليها الفضل وحده.

يختم بيتي دحضه بملاحظتين:

1- أولاً نقده لأطروحة الدونية الطبيعية لهيوم يدعم بشكل غير مباشر قضية الدين لأنّ مثل هذه العنصرية لا يمكن التوفيق بينها وبين الفهم اليهودي المسيحي الحقيقي للطبيعة البشرية.

2- ثانيًا يؤكد بيتي أنّ خلافه مع هيوم حول موضوع العنصرية ليس مجرد نظري أو تخميني، وعلى العكس من ذلك فإنّ الخلاف عملي بشكل مكثف لأنّ أطروحة الدونية الطبيعية يمكن (وغالبًا ما يتم التذرع بها) لتبرير العبودية، وهي مؤسسة شجبها بيتي وهو أحد المدافعين عن إلغاء عقوبة الإعدام باعتباره سياسة بربرية.

كتاب عناصر علم الأخلاق:

هناك تداخل كبير بين مقال عن الحقيقة وعمله الفلسفي عناصر علم الأخلاق اللاحقة لبيتي للأعوام ما بين 1790 إلى عام 1793، حيث مرة أخرى تتلى عقيدة الفطرة السليمة، كما قيل لنا أنّ الوعي والذاكرة والشهادة يجب أن تؤخذ على أنّها جديرة بالثقة، وأنّه يمكننا افتراض أنّ الطبيعة موحدة، وأننا وكلاء أخلاقيون أحرار، وأنّ كل ما يبدأ في الوجود يجب أن ينطلق من سبب ما.

على الرغم من هذه التشابهات العقائدية وغيرها تختلف العناصر عن المقال في أربعة جوانب على الأقل وهي:

1- أولاً من الناحية الأسلوبية كان المقال مليئًا بالسخرية والازدراء والذم الرائع، في حين أنّ العناصر رديئة ومخففة وجافة نسبيًا.

2- ثانيًا العناصر بناءة من الناحية الفلسفية أكثر من المقال حيث يبدو أنّ بيتي مهتم ببناء نظامه المتواضع وإقامته أكثر من محاصرة أنظمة الأعداء والمسنافين.

3- ثالثًا تقدم العناصر استكشافًا أكثر تعمقًا للعديد من الموضوعات التي تم التطرق إليها بشكل خفيف فقط في المقالة (على سبيل المثال الإدراك واللاهوت الطبيعي والخلود).

4- أخيرًا تقدم العناصر تغطية مستدامة للعديد من المجالات مثل الفلسفة السياسية والاقتصاد التي لم تتم مناقشتها بشكل هادف في المقال.

بيتي وفلسفة الحس السليم الاسكتلندي:

كثيرًا ما يصف مؤرخو الفلسفة الاسكتلندية مقال بيتي كنسخة مبسطة من فلسفة الفطرة السليمة التي شرحها ريد في تحقيقه لعام 1764، في حين أنّ هناك الكثير من الحقيقة في هذا الحكم فلا داعي لتفسيره على أنّه عتاب، ويمكن أن يتم الترويج بشكل جيد أو سيئ ولقد فعلها بيتي بشكل جيد.

ومع ذلك لا يمكن إنكار أنّ آراء ريد بشأن الأمور الفلسفية قد تطورت بطريقة لم يفعلها بيتي أبدًا، وبعد تقاعده من التدريس عام 1781 نشر ريد عملين رئيسيين وهما: مقالات عن القوى الفكرية للإنسان في عام 1785 ومقالات عن القوى النشطة للإنسان عام 1788، وأصبح هذان الكتابان وهما أكثر تعقيدًا وبناءً من أي شيء أنتجه بيتي على الإطلاق مع الاستقصاء السابق لريد والوثائق التأسيسية لمدرسة الفلسفة الأسكتلندية للفطرة السليمة.

سرعان ما تم نشر إنجيل ريديان مع الثقة بالنفس من قبل صاحب كرسي إدنبرة دوجالد ستيوارت الذي استمع إلى محاضرات ريد في غلاسكو، فدافع ستيوارت عن الفطرة السليمة في كل من محاضراته الحاضرة جيدًا وفي كتبه التنويرية، حيث ظهر أول زوج منها -عناصر فلسفة العقل البشري عام 1792 وخطوط عامة للفلسفة الأخلاقية عام 1793- حول في نفس الوقت مع عناصر بيتي في العلوم الأخلاقية.

تمت مشاركة اهتمام ستيوارت بالفيلسوف ريد من قبل أستاذ آخر مشهور في إدنبرة وهو مثقف ولكنه مطوّل بشكل غير طبيعي السير ويليام هاميلتون، ولم يكن هاملتون تلميذاً مستعبداً فقد سعى إلى تحسين فلسفة ريد بطرق مختلفة وغالبًا بالاعتماد على المذاهب الكانطية، فهو وحش فلسفي فريد وتم قتل الهجين الناتج ووحشوه وركوبه بواسطة جون ستيوارت ميل في اختبار فلسفة السير ويليام هاملتون، ومع ذلك فإنّ طبعة هاميلتون الموسعة (أو كما قد يقول البعض بشكل هوس) من التعليقات التوضيحية لجمع الأعمال ريد قامت بالكثير لجعلها متاحة على نطاق أوسع.

مع اختيار ريد كمؤسس بطولي لمدرسة سكوتش الناشئة تم إنزال بيتي إلى الدور الداعم للدعاية المتحمسة والماهرة، وهذا على أي حال كان كيف يصور دوجالد ستيوارت بيتي في رسالة إلى السير ويليام فوربس صديق بيتي وكاتب سيرته الذاتية، وأعلن ستيوارت أنّ مقال عن الحقيقة فعال باعتباره ترياقًا شائعًا ضد أوهام الشك الميتافيزيقي، ولكنه سرعان ما يضيف أنّ جدال بيتي يفتقر إلى الدقة والصبر والدقة التي نجدها في ريد، ومع ذلك يؤكد ستيوارت أنّ إنجاز بيتي ليس مهملاً.

لا يزال حكم ستيوارت يبدو عادلاً، وكان بيتي رجلاً موهوبًا وطموحًا ومتعدد الأوجه من الأدب، ولكن مواهبه ومزاياه كفيلسوف لم تكن الأعظم، وإذا كانت الفلسفة بالفعل سلسلة من الهوامش لأفلاطون، فيمكن قراءة بيتي كملحق درامي لريد -ومن المفارقات- إلى هيوم البغيض.

المصدر: James BeattieJames Beattie (1735—1803)Cloyd, E. L. (1972) James Burnett, Lord Monboddo. Oxford: Clarendon Press.Fieser, J. (1994) “Beattie’s Lost Letter to the London Review,” Hume Studies 20: 1-12. Fieser, J. (ed.) (2000) Early Responses to Reid, Oswald, Beattie, and Stewart: I. Volume 3 of the 5 volume set, Scottish Common Sense Philosophy: Sources and Origins. Bristol, UK: Thoemmes Press.


شارك المقالة: