قصة الملك واللمسة الذهبية

اقرأ في هذا المقال


تُعتبر هذه القصة من روائع الأعمال الأدبية التي صدرت من ضمن عدة أساطير إغريقية قديمة، تتحدث القصة في مضمونها عن هدف سامي ونبيل في هذه الحياة وهو أنه امتلاك كل كنوز الدنيا قد لا يحقق السعادة الحقيقة للإنسان، ما دام الإنسان فاقد الاستمتاع بأبسط الأشياء في حياته.

قصة الملك واللمسة الذهبية

في البداية كانت تدور وقائع وأحداث القصة حول أحد الملوك القدماء، كان مغرم بالذهب إلى حد كبير، فكان أمنيته الوحيدة في هذه الحياة أن يكون كل ما يحيط به في هذه الحياة مصنوع من مادة الذهب الخالص، إذ يعتقد أن أوج السعادة يكمن في امتلاك الكنوز من الذهب، ولدى الملك فتاة جميلة تدعى ماري، ومن بين أهم مقتنيات الملك أنه يمتلك غرفة لا يعلم عنها أحد شيئاً، وقد كانت تلك الغرفة تقع أسفل القصر، وفي تلك الغرفة كان يحتفظ بكل الكنوز الذهبية التي يمتلكها، والتي مضى سنوات عدة بجمعها، وهذه الكنوز كانت عبارة عن عملات وأشكال وأطباق وصاغة وكؤوس وساعات جميعها مصنوعة من معدن الذهب.

كلما شعر الملك بالملل يذهب للجلوس في هذه الغرفة، إذ كان يشعر بأعلى قمة المتعة حين ينظر إلى كنوزه الذهبية، ومن تلك الغرفة كان هناك نافذة تطل على الحديقة، وحينما ينظر إلى الأشجار والأزهار من حوله يتمنى لو أنها جميعها من الذهب.

وذات يوم بينما كان الملك جالس في تلك الغرفة السرية ويتأمل كنوزه الذهبية وهي تسقط عليها أشعة الشمس شاهد شاب يتسلل إلى الغرفة وقد قطع أشعة الشمس الساقطة على كنوزه، وفي تلك اللحظة تعجب الملك من الأمر وتوجه بنظره إلى باب الغرفة فوجده مغلق بإحكام، وهنا دخل الملك بحيرة من أمره في أنه كيف يدخل هذا الشاب لغرفته السرية، وفي تلك الأثناء اقترب الشاب من الملك وقال له وهو تعتريه الابتسامة بأنه ليس إنسان بل جني وأنه يمتلك قوى خارقة للطبيعة وبإمكانه أن يحقق أي أمنية يتمناها الملك.

وحينما سمع الملك بذلك شعر بفرحة كبيرة وطلب من الشاب أن أهم أمنية يرغب بتحقيقها في حياته هو أن يمتلك قوة خارقة؛ وهو يحتاجها من أجل أن يقوم بتحويل كل ما يحيط به إلى ذهب، وأكمل الملك حديثه بقوله: إن امتلاكه تلك القوة سوف تجعله يشعر بسعادة عارمة لطالما حلم بتحقيقها، وهنا وافق الشاب على منحه تلك القوة وأخبره أنه مع بزوغ صباح اليوم التالي وعلى وجه التحديد مع سقوط أول شعاع للشمس إلى داخل الغرفة السرية، سوف يصبح الملك يمتلك اللمسة الذهبية.

وبعد أن انتهى الملك من حديثه مع الشاب عاد إلى القصر وهو تعتريه فرحة كبيرة كما لو كان طفل الذي وعدته أمه بشراء ألعاب جديدة في الصباح، ثم بعد ذلك جلس الملك على الكرسي إلى جوار الشرفة وأخذ بالتحديق في نجوم السماء وبقي طوال الليل ينتظر بزوغ النهار وسقوط أول شعاع للشمس، حتى يصبح صاحب اللمسة الذهبية، وعلى الرغم من أن الوقت قد مر بشكل بطيء، إلا أنه في النهاية خرج أول شعاع للشمس على غرفة الملك وبالفعل تحققت أمنيته.

ومنذ تلك اللحظة وكل شيء يقوم الملك بلمسة يتحول إلى ذهب، وأول ما بدأ به هو لمس الكرسي الذي كان يجلس عليه، وبالفعل تحول الكرسي إلى كرسي من الذهب الخالص بعد أن كان مصنوعاً من الخشب، وحينما شاهد الملك ذلك الأمر استوطن السرور بداخله، ثم توجه بعد ذلك إلى غرفة المكتب خاصته، وأول ما دخلها لمس الغرفة بأكملها إلى أن أصبحت غرفة ذهبية.

وهنا بدأ تجوال الملك هنا وهناك ومن أجل أن يحول كل كبيرة وصغيرة إلى الذهب، وقد أوصل به الأمر إلى أن قام بإخراج نظارة ليستمتع بالنظر إلى الأغراض الذهبية، ولكن ما حدث حينها هو أن النظارة تحولت إلى قطعة ذهبية ولا يعد بإمكانه رؤية أي شيء من خلالها، وقد كان ذلك قد أثار تفكير الملك وبدأ يتساءل حول فيما إذا كان كل ما سوف يلمسه ويتحول إلى ذهب سوف يصبح يصب في مصلحته أم لا.

على وجه الخصوص بعد أنه أصبح لم يتمكن من رؤية الأشياء بوضوح بسبب تحول نظارته إلى قطعة ذهبية، ثم بعد ذلك توجه إلى الحديقة؛ وذلك لأنه رغب في أن يستمتع برائحة الزهور العطرة فيها، ولكن أصبح كل ما يقوم بقطف وردة والإمساك بها تتحول كامل شجرة الورد إلى الذهب الخالص، وفوق ذلك كله تزول رائحتها العطرية كذلك، مما جعل الملك يشعر بالحزن.

وفي أحد الأيام شعر الملك بالجوع، فطلب من خدم القصر أن يهموا بتجهيز وجبة الفطور له وإلى جانبها قهوته المفضلة، وما أن أمسك الملك بفنجان القهوة ليشربها، تحولت كامل سائل القهوة إلى سائل ذهبي، وفي تلك الأثناء كان الملك شديد الجوع، مما زاد الأمر من حزنه، وفي النهاية تمنى لو أنه لم يمتلك تلك القوى الخارقة، فبدل أن يعيش حياة سعيدة أصبح من أكثر الأشخاص تعاسة في هذه الحياة، ويوماً بعد يوم كانت الحالة النفسية للملك تزداد سوءًا، إلى أن جاءت تلك اللحظة التي أجهش بها بالبكاء، وحينما شاهدته ابنته في تلك الحالة سارعت في حضنه للتخفيف من شدة الحزن الذي يشعر به، وحينها قام الملك باحتضانها، ولكن ما حدث هو أن ابنته تحولت إلى تمثال ذهبي.

وحينما نظر الملك إلى ابنته صاح بأعلى صوته باكياً، إذ لم يكن يعتقد أن تلك القوى التي تمناها طوال حياته سوف تحرمه من ابنته الوحيدة، وهنا احتجز الملك نفسه في حجرته ولم يخرج منها إذ بقي يبكي بحرقة على ما وصل إليه، فقد ضاعت ابنته منه، في يوم من الأيام ظهر له الشاب مرة أخرى من جديد، وسأله عن حاله مع تلك اللمسة التي طالما تمناها، وبينما كان يذرف الدموع طلب من الشاب أن يزيل تأثير تلك القوى منه؛ وذلك لأنها تسببت في فقدانه المتعة بأبسط الأشياء، وعلاوة على ذلك كله هو فقدانه لابنته.

وأخيراً أخبر الشاب الملك أنه ليس بمقدورة أن يقوم بإزالة تأثير اللمسة عن الملك، إلا أنه يمكنه استرجاع ما حوله إلى ذهب، وذلك من خلال ملء جرة من ماء النهر، ويقوم بسكب قطرات الماء على كل شيء تحول إلى أغراض ذهبية، وبهذا تعود إلى وضعها الأصلي، وهنا فرح الملك بما سمعه وأسرع باتجاه النهر وملء جرة بالماء، وعاد واسترجع كل من ابنته والحديقة ونظارته، وأخبر الشاب أنه أدرك درس مهم في الحياة، وهو أن الذهب والكنوز ليست هي أسباب السعادة الحقيقة.

المصدر: كتاب أساطير إغريقية من قسم تاريخ الحضارة اليونانية - عبدالمعطي شعراوي


شارك المقالة: