حكم قرآنيةحكم وأقوال

نموذج رائع من الإيمان النبوي والحنان الأبوي

اقرأ في هذا المقال
  • الآية

الآية

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَـٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا وَٱجۡنُبۡنِی وَبَنِیَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِی فَإِنَّهُۥ مِنِّیۖ وَمَنۡ عَصَانِی فَإِنَّكَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ (٣٦) رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِی وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا یَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَیۡءࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ (٣٨) ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی وَهَبَ لِی عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَۚ إِنَّ رَبِّی لَسَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ (٣٩) رَبِّ ٱجۡعَلۡنِی مُقِیمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّیَّتِیۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَاۤءِ (٤٠))

إن دعاء والد لولده، أو جد ومؤسس أسرة وسيد عشيرة، لذريته وفصيلته: شيء طبيعي جرت عليه العادة واقتضته الطبيعة البشرية، فإنَّ حنان الأبوة، والحرص على سعادة الأولاد من غريزة الآباء والأجداد.

وقد سجَّل التاريخ ودواوين الأدب العربي بصفة خاصَّة، أدعية ووصايا كثيرة من الآباء للأبناء، ومن الشيوخ المُحنكين للنشء الجديد والأجيال القادم، تجلت فيها نفسية الشيوخ وثقافتهم، ونفسية ذلك العصر الذين عاشوا فيه وثقافته كذلك، وهي مرآة صادقة وحكاية أمينة مصورة لما يعيش في ذلك العصر من الخواطر والأفكار، ولما كان في تلك البيئة من المُثُل العليا والغايات المطلوبة.

ولكنَّ دعاء إبراهيم الخليل أسلوب من الدعاء، لا نظير له في التاريخ، ولا مثيل له في دواوين الأدب، كما أن إبراهيم طراز خاص من البشر وأمّة واحدة، والدعاء قطعة من النفس، وصورة للنفسية والعقيدة.

إنَّه دعاء تجلى فيه إيمان إبراهيم وحنان إبراهيم، وعلم إبراهيم، ودعوة إبراهيم، فمن أراد أن يعرف مكانة إبراهيم ويتمثل نفسيته فلينظر إلى هذا الدعاء الذي صدر من أعماق النفس ومن أعماق القلب، فدلَّ على النفس ودل على القلب، وكان إبراهيم دائماً يتكلم عن عقيدة ويُعبر عن قلب، ذلك القلب السليم الذي خصَّه الله به، فكيف في هذا الدعاء الذي كان يناجي به ربه؟

إنَّ أول ما طلبه إبراهيم من ربه لأولاده وذريته هو أن يجنبه وإياهم من عبادة الأصنام، وكان ذلك أكبر همّ إبراهيم، واستولى على مشاعره، فقد رأى- وهو بعيد النظر، واسع التجربة، نافذ البصيرة، سائح في الأرض – مصير الأجيال البشرية، والأديان السماوية، كيف أصبحت فريسة الوثنية.

ثم إنَّه يخبر بأنَّه أسكن ذريته بواد غير ذي زرع، بجوار البيت المحرم، بعيداً عن مراكز المدينة والخصوبة والتجارة وعن العواصم الكبيرة.

وهنالك ثار الحنان الأبوي في جوار الإيمان النبوي، وإبراهيم الخليل مثال، رائع بين إيمان الأنبياء وحنان الآباء، فلم ينس الشفاعة لأولاده الذين هم قطعة من نفسه وجسمه، فلاحظ – وهو قوي الملاحظة – أنَّ الوادي الذي آثره لأولاده لا زرع فيه ولا ضرع، وليس فيه شيء يستهوي القلوب، ويجلب الناس، ويجلب الرزق والبضائع، وهم أمناء الدعوة وورثة الدين، فكيف يقومون بفريضتهم؟ وكيف يؤثرون هذا المكان المنعزل بالإقامة والبقاء

فقال (فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ)

ولم يشغله هذا الدعاء المخلص والمناجاة الخاشعة، عن أن يحمد الله على نعمة أولاده وذريته التي وُهبت له على هذا الكِبر، وإنّما المسكن بالساكن، والمنزل بالعامر، والشيء بالشيء يُذكر، وكان كل ذلك نتيجة الدعاء والابتهال، وهو يرجو إجابة هذا الدعاء، كما تحقّق إجابة الدعاء القديم (الۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی وَهَبَ لِی عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَۚ إِنَّ رَبِّی لَسَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ)

وطلب من الله أن يوفقه وذريته لإقامة الصلاة، وأن يجعله وأعقابه مرتبطين بوجهه الكريم وبيته القديم، ولم ينس حين دعا لذريته أن يدعوا لأبيه وللمؤمنين جميعاً، فإبراهيم آية في الوفاء، سخيُّ جواد في الدعاء فقال ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِی وَلِوَ ٰ⁠لِدَیَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِینَ یَوۡمَ یَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم ٤١].

كان العالم في عصر إبراهيم يعتمدون الناس على الأسباب اعتماداً زائداً حتى أصبحوا يعتقدون أنّها مؤثرة مستقلة قائمة بذاتها، وحتى أصبحت أرباباً من دون الله .

واعتقد الناس أنّه لا حياة إلّا بالخصب والميرة والماء الغزير، فكانوا يختارون لسكنهم ووطنهم أراضي مخصبة ، لكن إبراهيم ثار ضد هذه العادة فاختار لأسرته الصغيرة – المكونة من أم وابن – وادياً غير ذي زرع لا زراعة فيه ولا تجارة ، منقطع عن العالم ومراكز التجارة ودعا الله أن يوسع عليه في الرزق، ويعطف إليهم القلوب ويَجبي إليهم الثمرات من غير سبب وطريق معروف .

وأجاب الله دعاءه، فضمن لهم الرزق والأمن، وجعل بلدهم محطاً للخيرات والثمرات ﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنࣰا وَیُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَـٰطِلِ یُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ یَكۡفُرُونَ﴾ [العنكبوت ٦٧]

المصدر
تأملات في كتاب الله تعالى - ابو الحسن الندوي صفوة التفاسير - الصابوني قصص الانبياء - ابن كثير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى