التدخل المبكر لمنع الجريمة

اقرأ في هذا المقال


منع الجريمة أو الحد منها أو النزوح عنها هو نهج فعال لمكافحة الجريمة، وهو من الطرق المعترف بها دوليًا كعنصر مهم في النهج الوطني لبناء مجتمعات قابلة للحياة، وتظهر الأدلة من عدة بلدان أنّ تنفيذ واستدامة برامج منع الجريمة التي تتسم بالفعالية والكفاءة يمكن أن تسهم بشكل كبير في تحقيق مجتمعات آمنة ومأمونة عن طريق الحد من مستوى الجريمة.

العودة للسلوك الإجرامي

معدلات العودة إلى الإجرام أي بإعادة القبض على الجناة بعد إطلاق سراحهم من السجن أو المراقبة أو الإفراج المشروط، على مستوى العديد من الدول مرتفعة للغاية، وغالبًا ما تتراوح ما بين 70٪ إلى 80٪، فالمجرمون الذين تم إطلاق سراحهم من السجن وكذلك المفرج عنهم حديثًا والمفرج عنهم المشروط جميعهم معرضون لخطر كبير لارتكاب جريمة أخرى في المستقبل القريب، ويصدق هذا حتى بين المجرمين الذين يكملون طرائق التدخل مثل برامج تعاطي المخدرات والكحول.

جزء من تفسير سبب عدم كفاءة على سبيل المثال الولايات المتحدة في الحد من الجريمة هو أنّ برامج التدخل تركز بشكل حصري تقريبًا على المراهقين والبالغين وتتجاهل الأطفال، ويعد هذا سهوًا جادًا لأنّ جذور العنف تبدأ بالترسخ في وقت مبكر من الحياة، وتظل السلوكيات المعادية للمجتمع في بدايات الحياة مستقرة نسبيًا بمرور الوقت، وبالتالي يبدو من المنطقي أن نستنتج أنّ أفضل طريقة للحد من الجريمة هي منعها من الظهور على الإطلاق، وعلى الرغم من أنّ بعض البرامج التي تركز على المراهقين والبالغين قد أثبتت نجاحها في الحد من العودة إلى الإجرام، إلّا أنّ الغالبية العظمى من هذه البرامج لها معدلات نجاح كئيبة، أي أنّ معدلات العودة إلى الإجرام مرتفعة للغاية.

لكن مع ذلك هناك بعض الأخبار السارة فلقد ثبت أنّ البرامج التي تركز على الفترات الزمنية الحرجة للطفولة والرضاعة ناجحة للغاية في منع الجريمة، ولفهم كيف يمكن التدخل في حياة الأطفال الصغار لتقليل السلوكيات المسيئة في وقت لاحق من الحياة، من الضروري أولاً إدراك أنّه ليس من المحتمل أن يصبح جميع الأطفال مجرمون معتادون على قدم المساواة، فالمجرمون المهنيون على سبيل المثال يأتون بشكل غير متناسب من الأحياء الحضرية الفقيرة ومن العائلات الفردية، ومن العائلات التي تم فيها اعتقال أحد الوالدين أو كليهما سابقًا.

تم العثور أيضًا على عدد من العوامل الأخرى ذات الصلة بمجرمين خطرين وعنيفين، ولكن النقطة الأساسية هي أنّه يمكن استخدام هذه العوامل لتحديد العائلات المعرضة لخطر إنتاج مجرمين مهنيين، وهذه هي بالضبط المعلومات التي تستخدمها برامج التدخل المبكر للبحث عن الأطفال المعرضين لخطر السلوكيات المسيئة في المستقبل.

الآثار المترتبة على منع الجريمة

إنّ تطوير السلوك الإجرامي معقد ويتضمن العديد من العوامل التي تتشابك عبر الزمان والمكان، كما إنّ الحصول على صورة كاملة عن أسباب ظهور السلوكيات المخالفة وكيفية تطورها وسبب ثباتها يعد مشروعًا شاقًا ولكنه مثير، ومن المرجح أن يتم الحصول على نظرة ثاقبة لهذه القضايا من البحث الذي يتخذ نهجًا متعدد التخصصات ويفحص التأثيرات البيئية والوراثية على السلوك البشري عبر مسار الحياة بأكمله.

تقلل الجريمة والخوف من الجريمة ومنعها من نوعية الحياة للعديد من الأشخاص ولا سيما كبار السن أولئك الذين يعيشون في المناطق الفقيرة الذين تضرروا من جرائم مثل الحرق العمد والتخريب، حيث تكلف الجريمة المجتمع بالفعل آلاف الملايين من الدولارات سنويًا في مدفوعات شركات التأمين ومحاكم الشرطة وتكاليف الإصلاح واستبدال المباني والمرافق، حيث يمكن للتدخلات جيدة التخطيط للحد من الجريمة أن تمنع الجريمة والإيذاء وتعزز سلامة المجتمع وتقدم مساهمة كبيرة في التنمية المستدامة للمجتمعات النابضة بالحياة.

ربما يكون النزوح بسبب الجريمة أكثر العواقب غير المقصودة المألوفة لمنع الجريمة، وأصبح خطر تحويل النشاط غير المرغوب فيه إلى مجالات أخرى جزءًا من الحكمة الإجرامية التقليدية، ففي بعض الحالات قد يكون لتدابير منع الجريمة أو التهديد بالعقوبات تأثير ضار على النشاط المشروع مما يؤدي إلى الإفراط في الردع، وأخيراً يمكن هيكلة سياسات منع الجريمة بطريقة تؤدي إلى إحداث حوافز ضارة، كما تتم مناقشة المخاطر الأخلاقية وميل الأشخاص المؤمن عليهم ضد المخاطر للانخراط في سلوك المخاطرة والتعرض للإيذاء، ويتم شرح مسببات العوامل الخارجية السلبية من حيث المعلمات مثل فشل التخطيط والتنفيذ، وتم اقتراح مبادئ وضمانات للحد من مخاطر النتائج غير المقصودة لمنع الجريمة.

المصدر: سعد الراشد (27-1-2015)، "أسباب الجريمة وطرق مكافحتها"، الجماهير، اطّلع عليه بتاريخ 29-4-2017.أ. د. محمد جبر الألفي (20-10-2016)، "ماهية الجريمة الجنائية"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 27-4-2017.إيناس محمد راضي (19-9-2015)، "الجريمة"، University of Babylon ، اطّلع عليه بتاريخ 27-4-2017.رؤوف عبيد، أصول علمي الإجرام والعقاب (دار النهضة العربية، القاهرة 1985).


شارك المقالة: