قصة أغنية النيل:

لم يمضِ شهرين على ميلاد أغنية “نهج البردة”، حتى أطلقت لنا كوكب الشرق أم كلثوم واحدة من أهم قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي المغناة وأعظمها، فقامت باختيار أربع وعشرون بيتاً من قصيدة “النيل” المكونة من مئة وثلاث وخمسون بيتاً، حيث تتَّسم كلماتها بكل سمات الفخامة والجزالة وقوة الصور البيانية، والتي يقول أحمد شوقي في مطلعها:


 “من أي عهد في القرى تتدفق … وبأي كف في المدائن تغدق”


 ومن المقدمة الموسيقية الجليلة، يدرك المستمع أنه أمام لحن سنباطي شامخ، بلغ الغاية في هندسته ومتانة بنائه.


 ويذكر هنا فيكتور سحاب في موسوعته عن أم كلثوم، إلى أنّ رياض السنباطي في ختامه للحن هذه الأغنية، قد خالف طريقته المعتادة، فلم يقم بإنهاء القصيدة بصوت أم كلثوم، بل “بخاتمة موسيقية يتحاور فيها الناي والفرقة الموسيقية، والتي توحي لنا بمواصلة النيل رحله مسيره نحو البحر. ويذكر أنّ هذه الخاتمة الأخيرة هي نفسها مقدمة الأغنية وهو الأمر الذي يقوي إحساس المواصلة والاستمرار”، ففي هذه القصيدة بالذات، كانت كلمات أحمد شوقي تتنافس على البطولة مع كل من لحن رياض السنباطي وصوت الرائعة الست أم كلثوم.

كلمات أغنية النيل:

كلمات: أحمد شوقي


ألحان: رياض السنباطي

من أي عهد في القرى تتدفق وبأي كف في المدائن تغدق.

ومن السماء نزلت أم فجرت من عليا الجنان جداولا تترقرق.

وبأي عين أم بأية مزنة أم أي طوفان تفيض وتفهق.

وبأي نول أنت ناسج بردة للضفتين جديدها لا يخلق.

تسود ديباجا إذا فارقتها فإذا حضرت إخضوضر الإستبرق.

في كل آونة تبدل صبغة عجباً وأنت الصابغ المتأنق.

أتت الدهور عليك مهدك مترع وحياضك الشرق الشهية دفق.

تسقي وتطعم لا إناؤك ضائق بالواردين ولا خوانك ينفق.

والماء تسكبه فيسبك عسجدا والأرض تغرقها فيحيا المغرق.

تعيي منابعك العقول ويستوي متخبط في علمها ومحقق.

أخلقت راووق الدهور ولم تزل بك حمأة كالمسك لا تتروق.

حمراء في الأحواض إلا أنها بيضاء في عنق الثرى تتألق.

دين الأوائل فيك دين مروءة لم لا يؤله من يقوت ويرزق.

لو أن مخلوقا يؤله لم تكن لسواك مرتبة الألوهة تخلق.

جعلوا الهوى لك والوقار عبادة إن العبادة خشية وتعلق.

دانو ببحر بالمكارم زاخر عذب المشارع مده لا يلحق.

متقيد بعهوده ووعوده يجري على سنن الوفاء ويصدق.