علم المبهمات علمٌ قديم وهو من أشرف أنواع العلوم القديمة فقد اهتم الصحابة رضوان الله عليهم على البحث في هذا العلم، ومعرفة ما هو مبهمٌ في القرآن الكريم من فضولهم ومحبة معرفتهم بكل مبهمٍ ومستور في القرآن الكريم؛ لشغفهم في البحث بكل أمرٍ يتعلقُ بالقرآن الكريم، وقد أكمل العلماء من بعد الصحابة عمليات البحث في هذا العلم واتخذ منحنى آخر للبحث به.

 

تعريف المبهمات في القرآن الكريم

 

المبهمات لغة

 

هي من الإبهام، مفردها مبهم، اسم مفعول بمعنى الأمر المخفي والمستور.

 

المبهمات اصطلاحا

 

هي ما كان في القرآن الكريم من أمرٍ لم يُسمِهِ الله عزَّ وجلَّ باسمه العَلم، من وليٍّ، أو نبيٍّ، أو حيوانٍ، أو شجرةٍ، أو كوكبٍ، أو بلدٍ، أو إنسانٍ، له اسم ولم ينص على ذكره في القرآن الكريم، لأسباب معينة لم يتم ذكرها في القرآن الكريم.

 

أمثلة على المبهمات في القرآن الكريم

 

1- مثال على العلم المُبهم: قال تعالى: “عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى(6)”(سورة النجم:5-6)، علَّمهُ المراد به: جبريل عليه السلام.

 

2- مثال على العدد المُبهم في القرآن الكريم: قال تعالى: “أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا” (سورة الكهف:79)، قيل: كان عددهم سبعة وقيل عددهم عشرة.

 

3- مثال على الزمن المبهم في القرآن الكريم: قال تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ”(سورة الدخان:3)، المقصود بهذه الليلة ليلة القدر.

 

4- مثال على المكان المبهم في القرآن الكريم: قوله تعالى: “فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ”(سورة يونس:98)، والمقصود بالقرية قرية نينوى.

 

أنواع المبهمات في القرآن الكريم

 

تنقسم المبهمات في القرآن الكريم إلى أقسام، منها:

 

مبهمات الأشخاص

 

1- قوله تعالى: “رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”(سورة البقرة:129)، والمراد بالرسول في الآية الكريمة هو النبي محمد صلَّى الله عليه وسلَّم وهي دعوة سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاصةً.

 

قوله تعالى: “رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ”(سورة آل عمران:193)، قيل: المنادي محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: أنَّ المنادي القرآن الكريم وقد رُجحَ أنه القرآن الكريم لأنَّ ليس كل ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم مسموع لكن كل ما ورد عن القرآن الكريم مسموع.

 

مبهمات الجموع

 

1- قوله تعالى: “غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ “(سورة الفاتحة:7)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“المغضوب عليهم: اليهود، والضالين: النصارى” وقد عمم المفسرون بالمغضوب عليهم على كل من شابه اليهود والنصارى بأفعالهم وأقوالهم.

 

2- قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا” (سورة النساء:77)، قيل أنَّ هذه الآية جاءت صفةً للمؤمنين، وقيل أنَّ هذه الآية جاءت صفةً للمنافقين.

 

مبهمات الأماكن

 

1- قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”(سورة البقرة:63)، والمراد بالطُّور في الآية الكريمة الجبل الذي كلَّم الله -عزَّ وجلَّ- سيدنا موسى -عليه السلام- وهو طور سيناء، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم عشر مراتٍ، منها قوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى”(سورة طه:80)، وقوله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا” (سورة الطور:52).

 

2- قوله تعالى: “وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”(سورة التوبة:118).

 

مبهمات الأزمنة

 

1- ومما أُبهم من الأزمنة في القرآن الكريم، كلمة (الحين)، قال تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ”(سورة إبراهيم:25)، الحين وقت غير محدد والمقصود بالحين هنا كل سنة لأن النخلة تعطي ثمارها كل سنة.

 

وفي قوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ”(سورة الروم:17)، فكلمة حين في هذه الآية حين تمسون أي صلُّوا صلاة المغرب، وحين تصبحون أي صلُّوا صلاة الصبح.

 

وفي النهاية نستنتج أن علوم القرآن بحرٌ واسع وكبير لا نتوقف عنده بل نبقى نتزود منه، فعلم المبهمات في القرآن الكريم واسعٌ كبير وأمثلته كثيرة لا تنتهي، فالمبهمات والدلائل في القرآن الكريم تشوقنا للبحث أكثر في تفسيرها ومعرفة مغزاها وما تتطلبه فما أُبهمت ولم تذكر في نفس الآيات لسبب جعل القارئ والباحث يبذل جهده لمعرفة معناها وما ترمي إليه.