إنّ المفاضلة بين الملائكة والبشر أمر مُختلف عليه بين الناس، وفيه خلاف قديم، وورد في ذلك الكثير من الأقوال والآراء المختلفة ولكل منهم أدلته وبراهينه التي يعتمدها لإثبات أقواله، ولمعرفة تفاصيل هذه المسألة، عليك عزيزي بإتمام قراءة هذا المقال.

 

رأي المفضلون للملائكة على البشر:

 

يقول البعض أن الملائكة أفضل عند الله تعالى من العباد، وقالوا بأنّ الملائكة هم أكرم المخلوقات عند الله تعالى؛ لأنّهم خدمته في الدنيا والآخرة، والقائمون بأحكامه في الأرض والسماوات، وهم المبلّغون لرسالاته إلى الأنبياء والمرسلين.

 

واستدلّ أصحاب هذا القول بقوله تعالى: وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ سورة الأعراف 20.

 

موطن الخلاف في المفاضلة بين الملائكة والبشر:

 

لا يُقصد بالمفاضلة بين الملائكة والبشر التفضيل، أو التمييز بين حقيقة خلق البشر وحقيقة خلق الملائكة، لكن المفاضلة تكون هنا فقط بين الملائكة وعباد الله الصالحين من البشر، ولا يختلف أصحاب الآراء في هذه المسألة، بأن الفاسقين والكفرة خارج هذه المفاضلة، فقد وصف هم الله تعالى بالبهائم، لذلك لا يمكن لهؤلاء أن يُفاضَلوا مع ملائكة الله عز وجل، فقال تعالى: “أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” سورة الأعراف 179.

 

وهذه المسألة لم يكن فيها كلام من صدر الأمة، وإنما ابتدعها علم الكلام، ولم يتكلم بها أحد من الصحابة سوى بعضهم، وبشيء قليل دون تفاصيل كثيرة.

 

حجج المفضلون لصالح البشر على الملائكة:

 

بعد أن تبين لنا موطن الخلاف في مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر، نذكر حجج الذين يُفضلون الصالحين من البشر، من خلال الأدلة الآتية:

 

الدليل الأول: أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم:

 

إنّ أمرُ الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم _عليه السلام_ دليل على فضله عند الله تعالى، فقال تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ سورة البقرة 34. والسجود هنا يتمثل في عبادة الملائكة لله تعالى وطاعته، وتكريم آدم وتشريفه وتعظيمه.

 

الدليل الثاني: خلق آدم بيد الله:

 

من الأدلة التي استدل بها المفضلون لصالحي البشر على الملائكة، أنّ الله عز وجل عندما خلق آدم _عليه السلام_ خلقه بيده، وعندما خلق الملائكة كان ذلك بكلماته سبحانه وتعالى.

 

الدليل الثالث: جعل الله بنى آدم خليفة:

 

قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً سورة البقرة 30، فالخلافة دليل على المكانة العالية.

 

الدليل الرابع: فضل الله بني آدم بالعلم:

 

سأل الله تعالى الملائكة عن علم الأسماء، فاعترفوا بأنهم غير قادرين على إتقان هذا العلم، وأنبأهم آدم _عليه السلام_ بعلم الأسماء، وقال تعالى في كتابه العزيز: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ سورة الزمر 9.

 

الدليل الخامس: شقاء العبادة على البشر:

 

إنّ عبادة البشر وطاعتهم لله تعالى أكثر شقاءً؛ فقد خلق الله تعالى البشر على الهوى والشهوة، وحرصهم من الوقوع في المعاصي، والابتعاد عن غضب الله تعالى، والعبادة مع هذه الأمور أكثر شقاءً. كما أنّ هذه الأمور ليست موجودة عند الملائكة.

 

الدليل السادس: مباهاة الله تعالى بعباده الملائكة:

 

يُباهي الخالق جل وعلا ملائكته بالصالحين من العباد، الذين يُطيعونه ويُؤدون ما يُوجبه عليهم، ويُباهي الله تعالى الملائكة بالمصلين والصائمين من عباده، ثم بالحاجين ببيته الحرام، والواقفين بعرفة. فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: أبشِروا هذا ربُّكم قد فتحَ بابًا من أبوابِ السَّماءِ يباهي بكمُ الملائكةَ يقولُ انظروا إلى عبادي قد قضَوا فريضةً وهم ينتظِرونَ أُخرى سنن ابن ماجه.

 

تحقيق المفاضلة بين الملائكة والبشر:

 

إنّ المفاضلة بين الملائكة والبشر، تكون مع الصالحين من البشر بعد أن تنتهي حياتهم في الدنيا، ويفوزون في الآخرة ويسكنون الدرجات العليا عند الله تعالى، فيُحييهم الرحمن، ويقترب منهم وتقوم الملائكة بخدمتهم بأمر الله سبحانه وتعالى.

 

لكنّ الملائكة في الدنيا هي الأفضل، فهم المخلوقات التي تسكن الرفيق الأعلى، والتي تتنزه عما يفعله البشر في الدنيا، فهم العباد الذي يستغرقون في طاعة خالقهم، وهم في حال الآن أفضل من حال البشر في الدنيا، والله تعالى أعلم بما هو صواب فيما خلق وبمَن خلق.

 

وعلى البشر في جميع الأحوال عبادة خالقهم وامتثال أوامره، لنوال المنزلة العالية في الآخرة والفوز بقرب الله تعالى، للوصول إلى الحال الأكمل والأفضل من الحال التي يكون عليها البشر في الدنيا.