خلافة آدم عليه السلام:

الخلافة: هي النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه وإما لموته وإما لعجزه وإما لتشريف المستخلف، واستخلفه أيّ جعله خليفة، والخليفة: هو الذي يستخلف ممن قبله والجمع خلائف وجمعهُ سيبويه على خليفة خلفاء، والخليفة، السلطان الأعظم.


يقول القرطبي: خليفة يكون بمعنى فاعل أي يخلف من كان قبله ويجوز أن يكون خليفةً بمعنى مفعول، والخليفة هي اسم يصلح للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وعلى ذلك يكون آدم مُستخلف من الله في هذه الأرض لتشريفهِ وتكريمه فهو ينوب عن الله في أرضه لتنفيذ أوامره وتحكيم شريعته وإعلاء رايته.

من هو الخليفة؟

قال تعالى: “إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة” البقرة:70. فقد اختلف العلماء حول حقيقة الخليفة هل هو مجازي أم حقيقي على قولين:


– المجازي: قالوا إن المراد بالخليفة هنا المعنى المجازي وهو الذي يتولى عملاً يريده المستخلف مثل الوكيل ويكون المعنى إني جاعلٌ في الأرض مديراً يعملُ ما نريده في الأرض.


– الحقيقي: إنّ المراد بالخليفة هنا حقيقي، والقائلون بهذا اختلفوا من المقصود بالخليفة؟ هل آدم أم بنوهُ وذريتهُ على قولين:


القول الأول: المراد بالخليفة آدم عليه السلام: فآدم هو الخليفة المقصود في الآية، وسُمي آدم خليفةً من ناحيتين وهما:


1.
إنّ الله تعالى قد نفى الجن من الأمصار، وأسكن آدم في الأرض ليكون خليفته وهذا الرأي مرويٌ عن ابن عباس حيثُ يقول: أول سكنُ الأرض الجن فأفسدوا فيها وسَفكو فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضاً، فبعثَ الله إليهم إبليس في جندٍ من الملائكة فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقُوهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم فأسكنهُ إياه، إذن فقد سُمي آدم خليفةً؛ لأنهُ خلف الجن في عمارة هذه الأرض.


سُمي آدم أيضاً خليفةً؛ لأنه يحلفُ الله في الحكم، فهو ينوب عنه في تطبيق أحكامه وإعلاء كلمته والحكم بين العباد. وهذا القولُ مرويٌ عن ابن عباس أيضاً وعن ابن مسعود والسدي وغيرهم، واستدلوا بقوله تعالى: “إنّا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بينَ الناس بالحق” ص:26. وتبنى هذا القول الإمام البغوي ورجحهُ في معالم التنزيل حيث يقول: والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامهِ وتنفيذ قضاياه. ورجحهُ كذلك سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان.


2. القول الثاني: المُراد بالخليفة آدم عليه السلام: إن أبناء آدم هم المقصودين في الخلافة، فهم الخلفاء: وقد استغنى بذكر آدم عن ذكر بنيه كما يستغنى عن ذكر القبيلة بذكر أبيها كمُضر وهاشم. وكون بني آدم خلفاء على قولين وهما:


أنهم يخلفون من قبلهم من الجن، حيث روى ابن عباس أنهم كانوا يسكنون الأرض قبل آدم وبنيه، فهم إذن يخلفون الجن الذين كانوا قبلهم.


إنهم يخلفون بعضهم بعضاً جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فالقول الراجح هو أن المراد بالخليفة هم أبناء آدم وذريته ويُرجح ذلك الأدلة من القرآن والسنة.


أدلة من القرآن:
لقد دلت كثير من الآيات على أنّ بني آدم هم الذين يخلفُ بعضهم بعضاً، حيثُ يقول الله عن داود: “إنّا جعلناك خليفةً” ص:26. وعن هارون “واخلُفنِي في قَومي، ويُحدثنا عن صلحاء الأمة” الأعراف :142. “وعد اللهُ الذين آمنوا مِنكم وعملوا الصالحات ليَستخلفنكم في الأرض” النور:55. وعن صلحاء الأمم “ويجعلكم خُلفاءَ في الأرض” النمل:62. وقوله تعالى: “هو الذي جعلكم خلائف الأرض” الأنعام:165. ويُحدثنا عن أشقياء القوم “فخلف من بعدهم خلفً أضاعوا الصلاة” مريم:59. فجميعُ الآيات تدلُ على أن المقصود بالخليفة هم أبناء آدم عليه السلام، وهم من يخلف بعضهم بعضاً.


أدلة من السنة الشريفة: لقد جاء في الحديث الذي أوردهُ مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: “إنّ الدنيا حلوة نغره، وإن الله مُستخلفكم فينظر كيف تعلمون” صحيح مسلم. وقد رجح كثير من العلماء أن المراد بالخليفة هم أبناء آدم، يقول ابن كثير والظاهرية أنه لم يرد عيناً إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويُسفك الدماء، فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك.


فإن آدم عليه السلام لم يُسفك الدماء، وإنما الذي سفك الدماء وأفسد في الأرض هم أولاده، لهذا تحقق قول الملائكة، ويقول الحسن البصري في قوله تعالى: “إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة” أي يخلفُ بعضهم بعضاً، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف مثله جيلاً بعد جيل.