الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة:

لا شكّ أن للصلاة طعماً خاصاً؛ لأنها من أعظم العبادات، والعبادة لله تعالى يتلذذُ بها المسلم الصادق مع الله تعالى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: “ذاق طعمَ الإيمانِ من رضي بالله ربّاً، وبا الإسلام ديناً، وبمحمدٍ عليه الصلاة والسلام نبياً ورسولاً” رواه مسلم.


وممّا يدلُ على التلذذّ بالعبادة قول النبي عليه الصلاة والسلام: “ثلاثٌ من كُنّ فيه وجَدَ بهنّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسولهُ أحبّ إليهِ ممّا سِواهما، وأن يُحبّ المرء لا يُحبهُ إلا للهِ، وأن يكره أنّ يعود في الكُفر بعد أن أنقذهُ الله منه كما يُكرهُ أن يُقذف في النار” متفق عليه.


إنّ من وفقهُ الله إلى ذوق طعم الإيمان ووجدَ حلاوتهُ فإنهُ يستلذُ الطاعة، ويتحمل المشاق في رضى الله تعالى ورسوله.

أمور التلذذ في الصلاة:

والتلذذ في الصلاة يكون له أمرين وهما:

1- المُبادرة والتبكير برغبة ولذّةٍ إلى الصلاة:


لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يُبادرُ إلى الصلاة، فقد كان يكون مع أهله، فإذا أذّن المؤذّنُ خرجَ وتَركهم؛ وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: “كان يكونُ في مهنةِ أهلهِ، فإذا سمع الأذان خرج”. رواه البخاري.


وقد كان عليه الصلاةُ والسلام يحثُ الناس ويُرغّبهم في المبادرة إلى الصلاة، وإلى الصف الأول، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلَّ الله عليه وسلم قال: “لو يعلمُ الناسُ ما في النّداء والصّفّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يُستهموا عليه لا ستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير” أي التكبير” لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمةِ “والعتمةِ هي صلاة العشاء”والصُبح لأتوهُما ولو حبواً” متفق عليه.


وكان الصحابي عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، إذا أراد أن يخرج من بيتهُ صلى ركعتين، وإذا دخلَ داره صلّى ركعتين، وإذا دخلَ دارهُ صلّى ركعتين، وإذا دخل بيتهُ صلّى ركعتين، لا يدع ذلك أبداً. وقد مدحهُ النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: “رَحم الله أخي عبد الله بن رواحة كان أينما أدركتهُ الصلاةُ أناخ” أخرجه الطبراني.


ومن ناحية أخرى فإنه رضي الله عنهُ يحبُ أن يستقبل بيته ويُفارقهُ على ذكرٍ لله عزّ وجل ومن ناحية أخرى لا يُحبُ أن يُؤخر الصلاة عن وقتها، ولو كان في شغلٍ أو على سفر، وذلك منه حباً للصلاة، واستباقاً للمُناجاةِ. وإذا كان هذا في الصلاة، ففي سائر الطاعةِ كذلك.


وتسابق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في أبواب الخير مشهورٌ معروف. رواه داود.


وقال الصحابي عُدي بن حاتم رضي الله عنه: “ما جاء وقت صلاةٍ قطّ إلا وقد أخذتُ لها أهبَتها،، وما جاءت إلا وأنا إليها بالأشواق”، فهو يستعدّ للصلاة قبل وقتها، ويتشوّق للدخولِ فيها.


2- إطالة الصلاة بِتلذُذٍ ورغبةٍ عظيمةٍ:


إنّ من أحسّ بلّذةِ الصلاةِ لم يشعر بالوقت وهو يمرّ، بل تمضي الساعاتُ الطويلةُ كأنها دقائق، وقد قال القائل:
زمانٌ تقضّي بالمسرةِ ساعةً وآن تقضّى بالمساءة عام. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقوم ليلاً طويلاً، ويتلّذّذ بذلك، وقد ثبتَ قيامهُ طويلاً في أحاديث كثيرةٍ منها ما يلي:


– عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “صلّيتُ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليلةً فأطال حتى هممتُ بأمر سوءٍ، قيل، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أنّ أجلس وأدعه” متفق عليه.


– وعن حذيفة اليمان رضي الله عنه قال: “صلّيت مع النبي عليه الصلاة والسلام ذاتُ ليلة، فافتحَ البقرة، فقلت: يركعُ عند المائةِ، ثم مضى فقلت: يُصلّي بها في ركعةٍ، فمضى فقلت: يركع بها، ثم يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مُترسّلاً، إذا مرّ بآيةِ تسبيحٍ سبّحَ وإذا مرّ بسؤالٍ، سأل، وإذا مرّ بتعوذٍ تعوذ” رواه مسلم.


وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنّ رجلاً قرأ المفصّل في ركعةٍ فقال له: “هذّا كهذّا الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورةً من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعةٍ. وفي لفظٍ آخر كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعةٍ”. وقال: عشرون سورة من أول المفصل تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم، مثل “حم” في سورة الدخان، و“عمّ يتساءلون” وفي لفظ لمسلم: عشرون سورةٍ في عشر ركعات المفصل في تآليف عبد الله. وفي لفظ لمسلم: “هذّاً كهذّ الشعر، إنّ أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إنّ أفضل الصلاةِ الركوع والسجود، إنّي لأعلمُ النظائر التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرن بينهنّ” مسلم.