اعتبار النية في اليمين:

إنَّ الأصل في اليمين أن تتطابق النية مع دلالة الألفاظ، فإنَّ كان اللفظ عاماً في صيغة القسم، فقد يدل القسم على العموم، وإنَّ كان اللفظ من ألفاظ الخصوص، فقد يدل على خصوص، وكان ما نواه الحالف في تلك الحالة موافقاً لظاهر اللفظ. وبناءً على ذلك فإنَّه يترتب على اليمين أثرها، وهو وجوب الوفاء ووجوب الكفارة عند الحنث. وقد ينوي الحالف في يمينه معنىً لا يحتمله اللفظ في صيغة القسم، فإنَّ هذه النية لا اعتبار لها في اليمين، ومن الأمثلة على ذلك:


أن يُقسم رجلاً: والله الذي لا إله إلا هو لن أكلم زوجة فلان، ومن ثم يكلمها، وحين يراجع في ذلك يقول: إني أردت زوجة زيد الميتة هروباً من الكفارة.


أو يُقسم ألا يأكل طعام فلان من الناس، فيأكل ويقول: إنَّما أردت ألاّ أدخل بيته.


أو أن يُقسم ألا يدخل حجرة امرأته، ويقول إنَّما أردت حجرة أمي. فالنية في هذه الأمثلة وما شابهما غير معتبرة في اليمين باتفاق الفقهاء افتاءً وقضاءً. والمعتبر هنا معنى اللفظ ودلالته، أما قوله فلا يقبل، ويُعدّ الحالف حانثاً بأفعاله التي صدرت عنه، ووجبت عليه الكفارة. لكن لو كان اللفظ يحتمل عدة معانٍ، ونوى الحالف معنى من هذه المعاني، وقد يكون المعنى الذي نواه الحالف في يمينه غير المعنى الأصلي أو الحقيقي المتبادر للذهن، وهناك صور منها ما يلي:


1. أن ينوي بالعام الخصوص: ومن الأمثلة على ذلك:


أن يُقسم الحالف على ألا يأكل لحماً، فأكل لحم طير، وقال: أردت في قسمي الامتناع عن لحوم الأنعام.


أو أقسم على ألّا يأكل فاكهة، وأراد في قسمة الامتناع عن التفاح، والتفاح من الفاكهة كما هو معروف.


أو أنه أقسم على أن لا يتغدى، ويقصد في يمينه غداءً معيناً ليس معروفٌ يومه.


أو أقسم على ترك شيء مُطلقاً، وأراد تركه بعينه هذا اليوم.


2. أن ينوي بالخاص العام: ومن الأمثلة على ذلك:


هو أن يُقسم إنسان ألّا يسقي لرجلٍ الماء، ويريد قطع منته عليه مُطلقاً، فتناول ما فيه منةً، فلا يصح له أن يشرب أو أن يبيع الماء ويشتري بثمنه ماءً آخر يشربه، أو يُبدله بماءٍ آخر.


أو أن يُقسم رجل على ألّا يُلبس لامرأته ثوباً من غزلها، ويريد قطع منتها عليه، فليس له أن يأخذ ثوباً من غزلها ثم يبيعه ويشتري بثمنه ثوباً آخر، أو أن يأكل ثمن الثوب حتى لا ينتفع به. فجميع هذه ألفاظ خاصة أراد بها الحالف العموم، فهل تعتبر النية فيها.

آراء المذاهب في مسألة العموم والخصوص في اليمين:

  • مذهب الإمام أحمد: ذهب الإمام أحمد رحمه إلى نية الحالف في يمينه معتبرةً وإنَّ نوى بالعام الخاص وبِالخاص العموم، افتاءً وقضاءً. ومعنى ذلك أن الله تعالى يُحاسبه على نيته، فإنَّ كان صادقاً بما ادعى أنه أراد ذلك، فلا وزر عليه، وإنَّ كان كاذباً فَيما ادعاه فهو آثم، وهذا أمر يعلمه الله تعالى، فإنَّه يعلم خائنة الأعين، وما تُخفي الصدور. ومعنى قضاءً أيّ أن القاضي يحكم عليه بناءً على ما صرح بأن نيته في القسم كانت تخصيص العام أو تعميم الخاص، وقول الحالف مقبول قضاءً ويحكم به القاضي.

  • مذهب الإمام مالك: وذهب المالكية إلى أن نية الحالف تُخصص العام، وتُعمم الخاص، وتُقيد المطلق، وتُبين المجمل، والحكم يتنوع بتنوع الحالات، وتفصيل ذلك يكون بما يلي:


    إذا ساوت نية الحالف ظاهر لفظه، بأن كان احتمال إرادتها، أو عدم احتمالها سواء، صدقٌ مطلقاً في اليمين بالله سبحانه وتعالى، وغيرها من التعاليق في الفتوى والقضاء، مثل حلف الرجل لزوجته: إنَّ تزوج في حياتها فالتي تزوجها طالق، أو عليه المشي إلى الكعبة بمكة المكرمة، فتزوج بعد طلاقها وقال: نويت حياتها في عصمتي، وهي الآن ليست في عصمتي. ومن ذلك ما لو حلف ألّا يأكل لحماً، فأكل لحم طير، وقال: أردت لحم غير لحم الطير، فيصدق مطلقاً، لمساواة إرادة نيته لظاهر لفظه.


    إنَّ لم تساوٍ نية الحالف ظاهر لفظه، وكان ظاهر اللفظ أرجح، مثل العموم والإطلاق، ولكن النية قربت من مساواة المعنى الظاهر، أيّ كان اللفظ يحتمل المعنى. ففي هذه الحالة تقبل دعوى الحالف بنيته ومطلقاً في الفتوى، دون القضاء. مثل قول الحالف: لا آكل سمناً فآكل سمن ضأن، وقال: إنَّما أردت سمن بقر.


    إنَّ بعدت النية عند الحالف عن المساواة للمعنى الظاهر أو المحتل، فلا عبرة للنية في الفتوى والقضاء. كقوله الحالف لامرأته إنَّ دخلت دار فلان فأنت طالق، فلَّما دخلت وطلبت الطلاق، قال الزوج: إنَّما أردت زوجي الميتة. ففي هذه الحالة يقع الطلاق عليه افتاءً وقضاءً ولا يُنظر إلى دعواه.

  • مذهب الحنفية: ويعتبر الحنفية نية الحالف في الفتوى دون القضاء. فقد قال صاحب الاختيار: والأصل فيه أن من ذكر لفظاً عاماً، ونوى تخصيص ما في لفظه، صدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يصدق في القضاء؛ لأن المتكلم بالعموم قد يُريد الخصوص، فإذا نوى صارت نيته على التخصيص، كالدلالةِ الشرعية على تخصيص العموم، إلّا أن الظاهر من اللفظ العموم، فلا يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر.

  • مذهب الشافعية: وعند الشافعية ما يفيد اعتبار النية في الحلف، وأنها مخصصة للفظ العام، وقد نصوا على ذلك في كتبهم. فقال صاحب المهذب: وإنَّ حلف لا يسلم على فلان، فسلّم على قومٍ فيهم فلان، ونوى السلام على جميعهم حنث؛ لأنه سلم عليه، وإنَّ استثنى بقلبه لم يحنث؛ لأن وإنَّ كان عاماً إلا أنه يحتمل التخصيص فجاز تخصيصه بالنية.