القصد الجنائي في الردّة:

قد يصدر من الشخص قول أو فعل أو اعتقاد ما، لو صدر منه مع علمه به، ومع استكمال شروط التكليف لكان بذلك كافراً ومرتداً. ولكنه في بعض الأمور قد لا يقصد ذلك، او أنه بقصده مع جهلهُ بها، فلا يكون كافراً؛ وذلك لعدم توفر الركن المذكور أي القصد الجنائي. وفي موضوع القصد الجنائي سنتعرف على عدة مواضيع ومنها الجهل، الخطأ الفرحٍ أو الغضب، التأويل، الإكراه، الهزل. وفي هذا المقال سنوضح عن كل واحدةٍ منهما.

الجهل:

إن من المعلوم أن العلم بالشيء المكلف به شرطٌ في هذا التكليف. فقال تعالى: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولً” الإسراء:15. فكثيرٌ من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يتدارسُ فيها كثيرٌ من علوم النبوات حتى لا يبقى من يُبلغ ما بعث الله ورسولهُ من الكتاب والحكمة، فلا يعلمُ كثيراً ممّا يبعث الله ورسوله، ولا يكون هناك من يُبلغه ذلك. فالذي مثلُ هذا لا يكفر. ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدةً عن أهل العلم والإيمان، أو كانَ حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يُعرف ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. فالجهل هو عذر لا يُكفر صاحبه.

الخطأ بسبب فرح أو غضب:

لقد دلت نصوص الكتاب والسنة على رفع الذنب عن المخطيء، لا بل تجاوزت ذلك إلى إثبات الأجر للمخطئ، مثل الحاكم إذا اجتهد فأخطأ. فقال تعالى: “رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ“البقرة:286. فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، “أن الله تعالى يقول نعم أي لا أؤاخِذكم على ذلك”.


وقال الرسول أيضاً: “تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”. وقد يشتد الفرح بصاحبه، وكذلك الغضب، فيَصدر معه في حالة فرحٍ أو غضب ما يُعتبر كفراً في حدّ ذاته، ولكن الشخص لم يقصد ذلك فلا يكون كافراً.

التأويل:

إن الفرد أو الجماعة قد يتعرضون إلى شبهةٍ تجعلهم يلحقون محرماً اعتماداً على تلك الشبهة معتقدين أنها دليل على ذلك، ولولا هذه الشبهة أو هذا الدليل في زعمهم، لم يَستحلوا ذلك، كما أنه لولا هذه الشبهة لحُكِمَ عليهم بالكفر، ومن ذلك ما حصل في الخوارج، الذين استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وأخرجوهم من الإسلام مستدلين على ذلك بنصوص الوعيد في الكتاب والسنة مع بعد الاستدلالِ على كثير من القضايا التي استشهدوا بها.

الإكراه:

إذا أُكره المسلم على أن يقول كلمة الكفر، أو أن يفعل ما يُعتبر كفراً، فالأفضل في حقه أن يصبر ولا يُقْدِم على ما طُلب منه، كما فعلَ بلال بن رباح رضي الله عنه عندما كان كفار قُريش يعذبونه، أشد أنواع العذاب، فوجد في ذلك العصر ليقول كلمة الكفر: وبقي صابراً ومحتسب وهو يرددُ أحدٌ أحد. ويتعرض أهل الإيمان في كل زمان للأذى والتعذيب، وليس كل المسلمين بقادرين على الصمود والصبر حتى النهاية، ولهذا فقد خفف الله عنهم، فلم يكلفهم ما ليس في وسعهم فاكتفى منهم ببقاء القلب مطمئناً بالإيمان وهو سبحانه وتعالى يعلم ما في القلوب، ولا يُكلف الله نفساً إلا وسعها.


وما يناله المسلمون في هذا العصر من التعذيب، الذي لم توجد له وسائل كما وجدت في ذلك العصر الذي يُذكرنا بأولئك الصامدين الصادقين أصحاب الحق، مثل أصحاب الأخدود، وبلال وغيرهم من أسلاف الأمة، والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم جميعاً.

الهزل:

والهزل يكون مثل كلمة الكفر الصادرة من شخصٍ ما قد يكون قائلها جاداً، وقد يكون هازلاً. فالجادُ هو الذي يقصد ما تضمنته الكلمة الكفرية، والهازل هو الذي لم يقصد ذلك، وإنما صدرت منه إستخفافاً وعدم المبالاة مع أنه عالم، وعاقل، وبالغ، غير مكره، ولا متأول ولا مخطئ، فهل يُعتبر الهازل في هذه الحالة مرتداً؟ إن هناك رأيان بشأن هذه المسألة.


الأول: لا يكون مرتداً، بل يكون عاصياً لعدم قصده، ومضمون ما صدر منه، وعلى هذا الرأي الشافعي، والظاهرية، مستدلين بقوله عليه الصلاة والسلام: “إنما الأعمال بالنيات” وهذا لم ينو فلا يكفر.


الثاني: أنه يكفر، ولا يشترط أن ينوي الكفر، بل مجرد صدور ما يُعتبر بظاهره كفراً يكفي للحكم عليه بذلك، فمن تكلم بكلام أو أتى بأفعال ظاهرة الكفر، فهو بذلك مرتداً ما دام عالماً بمعناه في حال تكليفه، ودليلهم على ذلك، هو أن الشارع قد جعل بعض المعاصي إمارة على وجود الكفر، مثل السجود لصنمٍ أو غيره، فإنه لا يشترط في تكفير الساجد أن ينوي بسجوده الكفر.