قال الله تعالى في السرقة: “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌفَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ“المائدة:38-39. سنتحدث في هذا المقال عن السرقة بشكل عام وتعريفها في اللغة والاصطلاح، وعند أصحاب المذاهب.

تعريف السرقة:

السرقة لغة: وهي مصدر سرَقَ، أي على وزن ضَرب يضرب. قال ابن حجر: ويقال لسارقِ الإبل: بخاء معجمة. وللسارقِ في المكيال مطفف، وللسارقِ في الميزان مخسرٌ. والاسمُ منه: السّرقة بكسر الراء قاله النووي. ويقال أيضاً: السرقُ بفتحتين مع تشديد السين المهملة ذكره ابن الأثير وغيره.


أما معناها فتفق فيها كلمة أرباب اللسان على أن العنصر الأساسي في معنى مادة “سرق أي الاختفاء”. ومنه قوله تعالى:”إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ“الحجر:18. ومن هنا قيل لمن يأخذ المال من غيره مختفياً “سارق” فإن أخذه من غير خفية فهو مختلس ومستلب ومحترس. فقال الراغب” السرقة هي أخذ ما ليس له من أخذه في خفاء”.


أما السرقة في لسان الشرع: فهو عنصر أساسي في التعريف الاصطلاحي شرعاً. لكن يأتي بين بعض التعاريف اختلاف وذلك ناشئ من اختلاف المذاهب في الشروط، فيعرفه صاحب المذهب بما يراه جامعاً مانعاً من حيث الما صدق على ما هو مفرع في مذهبه لإناطةِ حكم الشرع به “أي القطع”.

وعرف المذاهب الأربعة السرقة بأنها ما يلي:


الحنفية: قال البابريتي: “السرقة هي أخذ مال الغير على سبيل الخفية نصاباً محرزاً للتمولِ، غير متسارعٍ إليه الفساد من غير تأويل ولا شبهة”.

المالكية: قال ابن رشد: وهي أخذ مال الغير مستتراً من غير أن يؤتمن عليه.

الشافعية: قال الرملي: إن السرقة هي أخذ المال خفية من حرز مثله بشرائط.

الحنابلة: قال ابن قدامة: هي أخذ المال على وجه الخفية والإستنار.

وقال البهوتي: وهي أن السرقة عبارة عن أخذ مال محرم لغيره وإخراجه من حرز مثله بلا شبهة له فيه على وجه الاختفاء.

حكمة التشريع في جعل عقوبة السارق قطع يده:

إن من أهم ضرورياتِ التعايش الآمن وبناء العمران المطمئن، هي صيانة الأموال والمحافظة عليها، فكان من حكمة الله تعالى بعباده أنه فرض العقوبة الرادعة لكل سارق يُفسد على الناس معاشهم ويخلُ بأمنهم على أموالهم، فقد فرضت عقوبة قطع اليد من السارق، وجاء في نص صريح محكم وتنزيلٍ يُتلى فقال في محكم كتابه العزيز:” وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ“المائدة:38.


ففي هذه الآية الكريمة، جماع القول بالحكمة وهي “جزاءً بما كسبا نكالاً من الله”. فقد بين الله تعالى أن القطع هو الحكم المطابق لمجازاة السارق، ولا نقص ولا شطط، فلم يجعل عقوبته الجلد، فيكون جزاءً ناقصاً عن مقابلة الجرم، ولم يجعله إعداماً للنفس، فيكون فيه مجاوزةً لما يستحقه الذنب أو الجرم الذي ارتكبه.


فقال ابن القيم في حق السارق” إن عقوبة القطع للسارق أبلغ وأردعُ له من عقوبة الجلد، ولم تبلغ جنايتهُ حدّ العقوبة بالقتل، فالقطع هي أنسب العقوبات للسارق، وابانةِ العضو الذي جعله وسيلةً إلى أذى الناس وأخذ أموالهم. ولم يُشرع أيضاً في السرقة أن يعدم نفسه ويحاسبها، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وعدالته من أجل إزالة النوائب، وقطعِ الأطماع عن التَظالمِ والعدوان، وأن يقنع كل إنسانٍ بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في سلب ونهب غير حقّه.


فالمقصود من قطع اليد للسارق هي الزجر والردع والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كفّ عدوانه أقرب، ومن أجل أنّ يعتبر غيره، وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبةً نصوحاً، وأن يُذكره ذلك بعقوبة الآخرة، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.


ثم إنّ في حدّ السرقة لها معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرّاً، كما يقتضيه اسمها، فلهذا يقولون “إن فلان ينظر إلى فلان مسارقةً” إذا كان ينظر إليه نظراً خفيفاً لا يريد أن يفطن له. والعازم على السرقة مختف كاتم خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به، ثم يستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء، واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران، ولهذا يقال: وصلت جناح فلان إذ أنه يسيرُ منفرداً فانضممتُ إليه لتصحبهُ، فعوقب السارق بقطع اليد قصاً لجناحه، وتسهيلاً لأخذه أن عاود السرقة.


فإذا فعل به هذا في أول مرة بقي مقصوص أحد الجناحين ضعيفاً في العدو، ثم تقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفاً في عدوه، فلا يكادُ يفوت الطالب، ثم تقطع يدهُ الأخرى في الثالثة، ورجله الأخرى في الرابعة فيبقى لحماً على وضم فيستريح ويُريح.