أحوال وجوب الأرش:

لقد ذكر الفقهاء أحوال وجوب الأرش في مواضيع متفرقةً ضمن مصادرها؛ تبين من خلال استقرار هذه المواضع أن هناك حالات معينة يجب فيها الارش وهي:

  • الحالات التي نص الشارع على وجوب الأرش فيها من الجنايات الواقعة على ما دون النفس بالقطع أو الجرح أو غيره كالآمة والموضحة، وهو ما يسمّى بالأرش المقدر.

  • الحالات التي ألحقت بما نص الشارع على وجوب الأرش فيها، حيث لم يرد فيها نص من الشارع ولا يجب فيها القصاص، وهو ما يسمّى بالأرشِ غير المقدر أو ما يسمّى بحكومة العدل.

  • الحالات التي سقط القصاص فيها بعد وجوبه في جناية العمد لسببٍ من الأسباب، وهذه الأسباب بعضها محل اتفاق بين اتفاق بين فقهاء المذاهب، وبعضها مختلف فيه.

الأسباب المتفق عليها:

  • تعذر المماثلة التي تعدُ شرطاً لتنفيذ القصاص، وذلك في الجراح التي لا حدّ لها ولا تنتهي إلى مفصل، كما في الجراح التي دون الموضحة من الشجاج، إذ لا يؤمن في استيفاؤُها الحيف والظلم، وإذا تعذر القصاص وجب بدله وهو الأرش صيانةً للدماء من الهدر، والدليل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ” لا قودَ في المأمومةِ، ولا الجائفةِ، ولا المُنقلة”.


    وقد تعذرَ القصاص في الجراح التي لا تنتهي إلى مفصل كان لظرفٍ فائت، فرضٌ مثل هذا الحكم؛ إذ كان القصاص يتم بآلة بدائية يتعذر معها تحقق المماثلة في القصاص، أما اليوم فقد تبدل الظرف وتطورت أسباب الطب ووسائله وأصبح بالإمكان استيفاء القصاص في غير المفاصل من غير حيف، فيمكن الإفتاء بجواز القصاص في غير المفاصل لتغير السبب الذي الحكم بعدم القصاص في العظم.

  • عدم التماثل في الصحة والكمال، كما إذا كان الجاني صحيح الطرف والمجني عليه طرفه أشل أو ذهبت منفعته، فلا يؤخذ الطرف الصحيح بالطرف المعيب أو الذي ذهبت منفعته لانتفاء المماثلة والمساواة، وإذا تعذر القصاص وجب بدله وهو الأرش.


    ولا يُشترط في التماثل لوجوب القصاص المساواة في الدقة والغلظ والصغر والكبر والصحة والمرض؛ لأن اعتبار ذلك يفضي إلى سقوط القصاص بالكلية.

  • سقوط القصاص لشبهةٍ العمدية، كما في جناية الأصل في فرعه، ففي عمدة شبهةٍ لاحتمال التأديب، وكما في عمدِ عديم الأهلية وناقِصها كالمجنون والصغير، فحكمهُ مثل حكم الخطأ؛ وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: “رُفعَ القلمُ عن يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ” رواه الترمذي في سننه.وذلك لانتفاء القصد إلى ارتكاب الجريمة، وإذا سقط القصاص وجب بدله وهو الأرش.

  • العفو عن القصاص إلى الأرش، إذا ما اختار المجني عليه الأرش بدلاً عن القصاص؛ لأن القصاص حقٌ له فجازَ ِ وحث عليه؛ إذ كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يرفع إليه أمر في القصاص إلا أمر فيه بالعفو.

الأسباب المختلف فيها:

  • تعدد الجناة على الطرف الواحد عند الحنفية؛ فلو اشترك أكثر من واحد على قطع عضوٍ آخر، سقط القصاص، ووجب عليهم الأرش في التساوي، أما جمهور المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يرون سقوط القصاص بتعدد الجناة على الطرف الواحد، وأوجَبوا القصاص عليهم جميعاً في الأطراف.

  • فوات عضوِ الجاني؛ أي الطرف المماثل لطرف المجني عليه، فإذا فات عضو الجاني بحقٍ، مثل مرضٍ أو قطعٍ في سرقة أو قصاص في الطرف، سقط القصاص عند الشافعية والحنابلة والحنفية، ووجب بدلهُ وهو “الأرش”، أما المالكية فلم يُوجبوا عليهِ قصاصاً ولا أرشاً.