الحكمة في جعل القصاص للأفراد:

لقد جعلت الشريعة الإسلامية القصاص من حق الأفراد فيحق لهم تركه، وأن أساسُ اعتباره من حق الأفراد، وبأن جريمة القتل العمد والجرائم الأخرى التي يجب فيها القصاص تحتوي على نوعين من الإعتداء، كالتالي:


– الأول: أن فيها اعتداء مباشر على نفس الشخص الذي يقع عليه القتل أو الذي يقع عليه الاعتداء الآخر الموجب للقصاص.


– الثاني: هناك الاعتداء الثاني الذي يقع على المجتمع الذي يهمه أن تكون بأن تكون النفوس محميةً، وأن يمتنع اعتداء الناس بعضهم على بعض، إلا أن مساس هذه الجريمة بذات المجني عليه يفوق بكثير ما يمس المجتمع بسببها؛ لأن القتل الذي يجب، يجب فيه القصاص أو الاعتداء على البدن الذي يجب فيه القصاص، فإنه يكون لغرضٍ خاص، مثل العداوة بين الجاني والمجني عليه أو لخصومةٍ بينهما أو ما شابه ذلك ولم ينفذه في غيره ، ومن ثم فضرر هذا النوع من الجرائم ضرر يتعلق بمن يقطع عليه ويرتبط بشخصه.


أما القتل في جريمة قاطع الطريق مثلاً، فإنها تحصل لهدف أخذ المال، فعلى ذلك فإن ضرر المحاربين يشمل جميع الناس وهو عامٌ لهم، وذلك لتعلقه بالمال الذي يوجد لدى الكافة، فالذي يريد قطع السبيل على السابلة، وأخذ أموالها فإنه لا يقصد بهذا شخصاً معيناً، ولا مالاً معيناً بعينه، ولكن الهدف هو من يسير في الطريق بحثاً عن المال.


والذي قيل في المحاربة يقال في السرقة، إذ أن السارق يقصد المال، وإن لم يجده عند شخص وجده عند غيره، وإذا سرق مالاً من إنسان فإن هذا الفعل يؤلم المسروق منه، ولكنه سيتألم أكثر من التهديد الذي تولده السرقة والخوف من أن يتعرض لها باقي ماله، وهذا الشعور الذي يساور المجنى عليه يساور غيره من الناس خوفاً على أموالهم، فيكون ضرر السرقة، في المحل الأول، ضرراً عاماً.


والذي يريد الزنا، حتى إذا كان يقصد امرأة معينة، فإنه إن أخفق في الوصول إلى غرضه معها، يبحث عن غيرها حتى يشفى ميله الأثيم، وعلى ذلك فإن الضرر الذي تولده جريمة الزنا، وإن وقع على امرأة بعينها، يعتبر ضرراً عاماً موجهاً لكل الناس.


ويمكن أن نستخلص ممّا تقدم أن الجريمة التي تستوجب الحدّ، وإن كانت تقع على أفراد وتَمسهم بالضرر، إلا أن الاعتداء فيها يلحق بالمجتمع ضرراً عاماً ومباشراً، يفوق الضرر الذي يتعرض له من يقع عليه الاعتداء؛ لذلك جعل العقابُ في هذه الجرائم من حق المجتمع دون أن يُشركه فيه أحد.


وإذا كان الضرر يمسُ الأفراد في جرائم القصاص أكثر من مساسهُ بالمجتمع، فإن جعل الشريعة الإسلامية القصاص من حق الأفراد الذين يقع عليهم الاعتداء وجعلها العفو من حقهم أيضاً، ويُعتبر منها مراعاةً لمن وقع عليه الاعتداء المباشر، فيكون له القصاص من أجل أن يشفى به غيضه وينتقم به ممن اعتدى عليه، وهو مع ذلك إذا رأي العفو لسبب أو لآخر، فيكون رأيه هنا محلُ اعتباره، إذ هو المجني عليه الأول، وهو الضحية الأولى، ولا بدّ أن عفوه لسبب أو لمصلحة بلغت عنده أهميةً تفوق أهمية القصاص نفسه، وعلى ذلك فلا يكون من المناسب أن يغفل الشارع أمر هذا العفو.


ولكي يشفى غيظُ ولي الدم أو المجني عليه قد لا يكون بنفس القصاص، بل يكفي فيه تمكن المجني عليه أو الولي منه، لذلك مكّن الشارع من القصاص لكنه حث على العفو، وسمى الجاني أخاً، فقال تعالى:”  فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ البقرة:187. أما من السنة: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:”ما زاد عبد بعفو إلا عزّاً”.

وما يدل على أن مجرد التمكن من القصاص كافٍ لشفاء الغيظ في النفوس، والدليل على ذلك، هو ما روي عن أنس بن مالك من أن عمته الرُبيع لطمت جاريةً فكسرت ثنيتها، فطلبوا إليهم العفو فأبوا، والأرش، وهو ما يسمّى بدية السن، فأبوا إلا القصاص. فاختصموا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فأمر بالقصاص. فقالوا يا رسول الله: أتكسر ثنية الربيع به، والذي بعثك بالحق نبياً لا تكسر ثنيتها، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:”يا أنس كتاب الله القصاص” فرضي القوم فعفوا، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:”إن من عباد الله تعالى من لو أقسم على الله لأبره.


وباب التعزير، بابٌ واسع، يستطيع وليّ الأمر عن طريقه أن يفرض من العقاب ما يكون كافياً للزجر، مانعاً للإجرام مصلحاً للجاني. فعلى ذلك فإن سقوط القصاص يكون بعفو صاحب الحق فيه، وذلك لكونه من حق الأفراد ولا يؤدي إلى أن يفلت الجاني من العقاب المناسب لجرمه وحالته.