هذه قصة من قصص بني إسرائيل، حدثت حينما كان بني إسرائيل يشتغلون بالمظاهر الكاذبة، وقد أودى بهم ذلك إلى الهلاك والدمار، فقد كان فيهم أناس قليلو الدين والصلاح، وكثر عندهم الفساد والاشتغال بأسفه الأمور، فبعث الله لهم أعداءهم فهزموهم وأذلوهم.

 

فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن صورة من صور الفساد والاهتمام بالمظاهر الكاذبة عند المجتمع الإسرائيلي، فهناك امرأة قصيرة استعملت رجلين من خشب حتى تطيل قامتها، وقامت بصنع خاتم تضع فيه المسك.

 

الدليل من السنة على قصة المرأة التي اتخذت رجلين من خشب

 

لقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: “كانت امرأة من بني إسرائيل، قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشبٍ وخاتمًا من ذهب مغلق مطبق، ثم حشته مسكًا وهو أطيب الطيب، فمرّت بين المرأتين فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا” رواه مسلم. “ونفض شعبة يده، وفي رواية أحمد: فكانت إذا مرّت بالمجلس حركته فنفخ ريحهُ، أي تعني الخاتم”.

 

شرح قصة المرأة التي اتخذت رجلين من خشب التي وردت في الحديث

 

لقد ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام هذه القصة في خطبة نصح فيها أصحابه ورهبهم من فتنة الدنيا، ورغبهم في أمر الآخرة وحذرهم فيه من أن يقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل من قبلهم، وبينوا لنا كيف كان بداية الفساد الذي أدى إلى هلاكهم، فصار الأغنياء ينفقون الأموال الكثيرة على المظاهر من اللباس والحُلي والطعام وغيره ومنها التبذير في الإنفاق في الأمور الزواجية وتقليد الفقراء للأغنياء، فقد كانت امرأة الفقير تكلفُ زوجها بأن يشتري لها من الثياب والمجوهرات مثلما يقوم الغني بالشراء لزوجته.

 

إن الجميع يعلم مدى البلاء الذي يوقعه هذا التصرف في المجتمع، فالزوج الفقير يتحمل تكاليف باهظة الثمن التي ترهقه وتجعله يعمل في الليل والنهار حتى يهيئ سبل الحياة الكريمة لزوجته وتلبية مطالبها.

 

ومن ذلك ما قصّه علينا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام من فعل هذه المرأة القصيرة التي كان يزيد من احتقارها لنفسها أنها كانت تمشي بين امرأتين طويلتين فتزداد قماءة، فاخترعت وسيلة حتى تتطيل فيها قامتها، بأن اتخذت رجلين من خشب وأنها اتخذت خاتمًا مجوفًا له غطاء ملأته مسك، فصارت تخرج بين النساء طويلات القامة وصارت تمرّ بمجامع الرجال وتفتح خاتمها وتنفضه؛ من أجل أن يفوح العطر الذي في الخاتم، وقد استطاعت أن تخفي نفسها فلم يعرفها أحد من الذين أُرسلوا إليها للتعرف عليها.

 

لقد بذلت هذه المرأة قصار جهدها من أجل من تبدو قامتها طويلة، وكان من الواجب عليها أن ترضى بقضاء الله وقدره وكان عليها أن تعلم أن الله لا ينظر إلى صور العباد وألوانهم، ولكنه يتطلع إلى قلوبهم وتصرفاتهم، فكم من قُصار القامة والمعاقين كبروا بأعمالهم في نظر الناس لما تَحلّوا به من كريم السجايا والصفات ولما حصلوه من علوم ولما أتقنوه من أعمال.