إنذار إبليس لآدم عليه السلام:

لقد خرج إبليس صاغراً ذليلا إلى ربه يطلب منه أن يُبقيه حيّاً إلى يوم القيامة. يقول الطبري: إنّ إبليس سأل ربه أن يُنظره إلى يوم يبعث الله الخلق من قبورهم فيحشرهُ لموقف القيامة، فقال له الله إنّك ممن أخر هلاكهُ إلى يوم الوقت المعلوم لهلاك جميع الخلق وذلك حين لا يبقى على الأرض من بني آدم ديار.

أين جاء إنذار إبليس:

لقد جاء إنذار إبليس في القرآن الكريم على النحو التالي:


– في سورة الأعراف، فقال تعالى: “قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَقَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَقَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَقَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ“.الأعراف: 14-18.

  • وفي سورة الحجر، قال تعالى: “قَالَ رَبِ فأنظرني إلى يومِ يُبعثون- قالَ فإنك من المُنظرين- إلى يوم الوقتِ المعلوم- قال ربّ بما أغويتني لأزيننّ لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين- إلّا عِبادكَ منهم المُخلصين- قالَ هذا صِراطٌ عليّ مستقيمٌ- إنّ عبادي ليس لك عليهم سُلطانٌ إلّا من اتّبَعَك من الغاوين- وإنّ جهنم لموعدهم أجمعين” الحجر:36-43.

  • وفي سورة الإسراء قال تعالى: “قال أرأيتكَ هذا الذي كرمت عليّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لا حتنكنّ ذريته إلا قليلا- قال اذهب فَمن تَبِعكَ مِنهُم فإن جهنم جزاءُكم جزاءاً موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يَعِدهُم الشيطانِ إلّا غُرورا إنّ عبادي ليسَ عليهم سلطان” الإسراء:62-65.

  • وفي سورة ص قال تعالى: “قالَ ربِ فأنظرني إلى يَومِ يُبعثون، قال فإنك من المنظرين إلى يَومِ الوقتِ المعلوم- قال فَبِعزّتكَ لأغويَنّهم أجمعين إلا عِبادك مِنهم المخلصين- قال فالحقُ والحقُ أقول لأملأنّ جهنم مِنك وممن تَبعكَ منهم أجمعين” ص:79-85.


    فمن خلال الآيات السابقة نجدُ أن إبليس قد طلبَ من ربّه أن ينظرهُ إلى يوم الدين، فكانت أقواله كما يلي: قال “أنظرني إلى يومِ يُبعثون”الأعراف:14.- “ربّ فانظرني إلى يومِ يُبعثون” الحجر:36. “ربّ فانظرني إلى يومِ يُبعثون” ص:79. “لئن أخرتنِ إلى يوم القيامةِ” الإسراء:63.

  • من خلال ما سبق نجدُ أن قوله تعالى: “أنظرني إلى يَومِ يُبعثون” الأعراف:14. فلظٌ واحد تكرر ثلاث مرات مرات لفظاً ومعنى، أما الصورة الرابعة فجاءت على صورة مشابهة في المعنى، مختلفة، وهذا التصوير الجميل لموقف إبليس يكشف لنا مدى اللهفة والحرص في أنّ يتحقق لإبليس ما طلب من الله، فقد ضاع منه كل شيء وهذا هو الأمل الأخير الذي تعلق به إبليس، فإنه أجيب له ما أراد، تنفست نفسه الصعداء ليبثُ حقده وسمومه على آدم وذريتهُ من بعده.


    فإبلِيس قد كشف عن مكنون قلبه فأعلن التحدي لهذا الإنسان الذي كان السبب في طرده من الجنة، فالتّحدي مع آدم وذريته قد بدأت أحداثه منذ اللحظة التي قال له الله فيها إنك من المنظرين، ففرح بها إبليس واغتبط؛ لأنه سوف ينازلُ آدم وذريته في مواقع أخرى لينتصر عليهم؛ لأنه سوف يستخدم في معركته مع هذا الإنسان جميع أسلحته الفتاكة، ولسوف يعقد الإنسان في كل طريق، ولسوف يأتيهم من خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولسوف يُزين لهم الباطل ويقبح لهم الحق، ولسوف يُغريهم بالأموال والأولاد، ولسوف يَعدهم ويمينهم في هذه الحياة الدنيا، ولكن الله عزّ وجل وإن كان قد لإبليس الحرية في إغواء البشر، إلا أن الله عزّ وجل تكفل بعباده الصالحين المخلصين الذين أخلصوا لله، قال تعالى: “قال هذا صراطٌ عليّ مستقيم إنّ عبادي ليسَ لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين” الحجر:41:42.


    ولقد أفرّ إبليس أن عباد الله ليس له عليهم سلطان “ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المُخلصين” الحجر:39-40. فالله يحفظُ عباده المخلصين من كيد وسهام إبليس بما أعطاهم من قريرة النفس وحسن الخلق والخصال الحسنة، فهؤلاء لا خوفٌ عليهم، فإذهَب يا إبليسُ واستفزز وأغوُي من استطعت فإنه لن يتبعك إلا من ماتت قلوبهم وصُمت آذانهم. فالصراعُ باقٍ إلى يوم القيامة وجذوتُه لن تنطفيء أوارها ما دام في ابن آدم عريق ينبض حتى ينفخ البوق وتموت الخلائق ثم يُنفخُ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون.

الحكمة من إنذار إبليس لآدم عليه السلام:

إن الحكمة من إنذار إبليس أنها حكمةٌ جلية سامية تسمو بالنفس، لكي تُدرك طبيعة الصراع، فتستعدُ له وتشحذ الهمم لكي تنتصر في هذه المعركة الضارية مع الشيطان.


يقول الشعراوي: لقد استجاب الله للمطرودِ من رحمة الله؛ لأن حكمة خلق الدنيا لا تكتمل إلا بهذا، فالله تعالى خلق الدّنيا كدارِ اختبار وجعل الأخرة دار الجزاء، والله جلّ جلاله يُريد أن يمر عبده باختبار في الحياة الدنيا وأنّ يمتحن قبل أن يجازي، أن يكون شهيداً على نفسه يوم القيامة، “وليبتلي الله ما في صدوركم وليُمحص ما في قلوبكم والله عليمٌ بذاتِ الصدور” آل عمران:154.