جواز فعل النمص المحرم:

 

يُعتبر النمصُ وما في معانيهِ وعلتهُ قد جاء على فعل محرم لذاته، وبالتالي فما كان مُحرم لذاته فلا يباح إلا عند الضرورة فقط . والضرورة تعتبر شرعاُ إذا تحققت فيه  أحد الأمور الثلاث وهي كما يأتي:

 

1- إنّ ما تركهُ سيوصلُ به إلى الهلاك.

 

2-  أيضاً وما تركهُ سيعملُ على تلفِ عضوٍ أو بترهِ.

 

3-  وأنّ ما تركه سيؤدي إلى فتنةٍ ومفسدة عظيمة متحققة.

 

فإذا توافرت هذه الأمور الثلاثة في الشخص، فإنّ العمل الذي كان محرم، ينزلُ إلى منزلة الإباحة؛ لأنّ الضرورات تبيح المحظورات، وقد يتعين الفعل باختلاف الأحوال والأشخاص.

 

الحالات التي تتنزل منزلة الضرورة للنمص المحرم:

 

 

أولاً: كأن يكون الأخذ منهما أو من أحدهما، لضرورة العلاج الذي لا يتم إلّا بالأخذ منهما أو من أحدهما:

 

مثل أن تضطر امرأة معينة لإزالة شيء من شعر حاجبيها لكي تُنظف جرحٍ مثلاً أو علاجه أو ما شابه ذلك، فهذا أمرٌ لا بأس به ، وإن أخذت من أحد شعر حاجبيها، وبقى الحاجب الآخر في وضعٍ غير طبيعي لها، فإنّها تنظر إلى البديل أولاً، كأن ترسمه ويترك عدّة أسابيع فيخرج طبيعي، فإن لم تتمكن من ذلك فلها أن تسوي وتحف الحاجب الآخر بحيث يعود إلى وضعه الطبيعي، فيخرج بالتسوية والتحديد من طور التشويه إلى طور الاعتدال. ففي هذه الحالة لا يسمّى هذا تنمص.

 

ثانياً: أن يكون الأخذ منهما أو من أحدهما لضرورة الأذى والضرر الواقع على وجودهما:

 

ومن المثال أنّ يكون شعر الحواجب عليه زوائدٌ على غير وضعه، أيّ زيادةً مشوهةً للخلقة، كسقوطه على العين وتتأذى المرأة منه، حيث أنه وصل إلى حدّ التشوه، فهذا الأمر لا بأس بتعديلهِ ولا حرج فيهِ. وفي كل حالات الضرورة، فإنه يؤخذ من شعر الحاجب بقدر ما يرجعُ به إلى المعتاد، ويخرج به من طور التشويه إلى طور الاعتدال . ولا يعد في ذلك من النمص.

 

من الأدلة على إباحة النمص في حالات وأمور الضرورة:

 

إنّ المحرم لو حُرم لذاته، فإنّهُ لا يباح إلا عند الضرورة، والقاعدة تقول كم قرر ذلك أهل العلم: “أنّ الضرورات تبيح المحظورات” بدليل قول الله تعالى: “وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ” الأنعام 119.

 

وعن عرفجة بن أَسعد قال: “أُصِيبَ أَنْفِي يَوْمَ الْكُلَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّخَذْتُ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ” أي فضة” فَأَنْتَنَ عَليَّ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ أَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ” صحيح الترمذي.

 

ولكن من المعلوم  بأنّ الضرورة يكون لها قيوداً وأحكام تضبطها وتقيدها حتى لا تخرج عن حدودها، ولكي لا تكون باب مفتوح للوقوع في المحرمات لكل من هب ودب تحت قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”. فلمعرفة هي ضوابط استعمال الضرورة وقيودها. وأنّه لابد من توفر ثلاثة شروط في الضرورة وهي كالآتي:

 

 1- أن يُعين المحظور كأداةٍ من أجل دفع الضرورة، أي أنّه لا يوجد ما يسدُ محله بخلاف الأخذ بضرورة النمص، فالتالي يعتبر النمص في هذه الحالة تحدد لعدم وجود البديل، وبالتالي فالمحظور هو فعل النمص ويتعينُ فعله كي نبعد الضرورة الواقعة ولا مخرج هناك إلّا بفعل النمص المحظور؛ بسبب عدم وجود ما يسدُ عنه.

 

وإذا كان ما يحلُ محله المباح موجود، فعلينا الأخذ به ولا يصحُ ارتكاب فعل النمص لدفع الضرورة، ومن ذلك وجود أحد الحاجبين بعد العملية أو الجرح مثلاً في غير اعتداله وطبيعته، فيجب على المرأة عليها أن تنظر في وجود البديل أولاً قبل فعل المحظور، فإن لم تتمكن من فعل البديل فيتوجب عليها أن تذهب إلى فعل المحظور.

 

ومن البديل على سبيل الفرضية لا الحصر، هو أن تحُزز الفتاة أو المرأة موضعاً أسوداً للحاجب بالعوض من نمص الحاجب الآخر، وبذلك فإنّها لا تصنع المحظور؛ لأنّ النمص معصية والرسمُ زينة. وقد وجدنا البديل فلا يجوز لنا الإقدام على المعصية إلا عند انعدام البديل ولا انعدام حقيقي هنا، وبالتالي فإن الرسم يتعين لدفع ضرورة أحد الحواجب المؤذية أو الغير طبيعية عن الأخرى.

 

2- بأن ضرورة الأمر تكونُ سارية لا تكون منظرة، بمعنى أن يكون عمل المعصية وهو النمص طبعاً عندما نتأكد من نفي الشرط الأول ومطلوب عملهُ في الحال وموجودٌ ضرره وقائم في الحال. وبالتالي فيعمل به إما عند وقوع الضرر والأذى حقيقةً أو بعد وقوعه، لا قبل وقوعه إلّا إذا تيقن أو غلب على ظنه أنّه سيقع.

 

ومثلُ ذلك إن وجدت الضرورة ولا يوجد لها أيّ خيار سوى النمص، غير حاصلة ولكنّها منتظرة، حيثُ يكون حدوث المحظور في الحال أو عدم حصوله لا يؤثر على المرء نفسه؛ لأنه غير مضطر لذلك حقيقةً، فوجود الضرر يبيح المحظور وعدم الضرر يمنع الوقوع في المحظور.

 

فإذا وُجد لأحد حاجبي المرأة بعد الحادث ما يدل على عدم اعتدالهِ أو تسويتهِ. ولكنها لا تكشف وجهها إلا لزوجها وهو راض بهذا الجرح والحال ومحارمها، وهم لا يهتمون بماهية حاجبها الغير معتدل والسوي فليس لها أن تقع في المحظور وذلك؛ لأنّ الضرر لم يقع عليها أصلاً، وارتكاب المحظور بإزالة مطلوب لدفع الضرر والأذى ولا ضرر عليها فماذا تدفع. إذاً فدفع الضرر أو عدمه لن يؤثر على المرأة، وذلك لأنّ وجودها مع محارمها أو زوجها مثل عدمهم، فلا يؤثر عليها بخلاف ما لو كانت تزور أصدقاءها أو كونها مدرسة لطالبات المدرسة. فالأمر هنا فيه ضرر معنوي، وأن الأولُ ليس فيه شيء لا سيما لو كان الشعر سَلكَ طريقه في النمو والاعتدال، وهذه هي الضرورة المنتظرة .

 

ويجوز لصاحبة الضرر الغير واقع أن ترسم الحاجب الغير معتدل والسوي؛ وذلك لأنّ الرسم ليس محظور ولكنّهُ زينة، والمحظور هو فعل الإزالة، فيحقُ لها أن ترسم حاجباً أسوداً معتدلاً في أي الأحوال السابقة مادام أنّه متماشياً مع حدود الشرع.

 

3- أن تُحدد الضرورةُ بحدّ معين، فلو كان المحظور مختصٌ بفعل النمص، وهذا يعني عند عدم وجود البديل، فعلى المرأة أن تلتزم  بما يرجع حاجبها المتعين إلى وضعه الطبيعي، فيخرج بالتسوية والتحديد عن طور التشويه إلى طور الاعتدال، ولا يعد في ذلك من النمص، فإن زادت على المقصود فإنّه يحرم عليها ذلك وتزداد الحرمة كلما زادت، والزيادة تسمّى نمص.

 

وهناك أيضاً في حال المرأة التي تعيشُ في الغرب وحدها، فإذا خرجت وعليها الحاجب أو الحواجب التي تكوت غير متساوية ولم يشاهدها الأجانب لستر وجهها، ففي هذه الحالة لا يجوز لها الإقدام على فعل المحظور؛ وذلك لأنّ الضرر واقع حقيقة  ولكن لا تدفع الضرر لعدم الضرورة في دفعه، فهي مستورة عن الآخرين، وإنّما سيظهر الضرر ما لو اختلت بنفسها فكشفت عن وجهها، ولكن لها أن ترسم حاجباً معتدلاً مضبوطاً حتى يأخذ الشعر بالنمو مساره، وعليه فإنّ هذه هي ضوابط شروط الضرورة.