إنّ جميع الأديان السماوية المنزلة في الدنيا هي من عند الله، أنزلت لتكون منهجاً يتوافق مع حياة الناس على الأرض، وتتولى سيادة شؤون حياتهم، لتنظيم أمورهم، وتوجيه أفعالهم، وفيما سنتعرف على هذه الرسالات من خلال طرح بعض الموضوعات التي تتعلق في مقارنتها.

 

الغاية من إرسال الرسالات السماوية

 

إن الرسالات السماوية التي أنزلها الله على الأرض، تدعو لغاية واحدة، وتتبع منهج واحد في هداية العباد وصلاحهم في الدنيا والآخرة، فهي سبيل النور في الدنيا، وكشف الضلال والظلمات للبعد عنها، قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ سورة المائدة 44، وبالتالي فإن هذه الرسالات جميعها تنتمي لمصدر واحد، ومنزلة من عند خالق واحد، لا إله غيره واحد أحد.

 

ومن غايات الرسالات السماوية استقامة حياة البشر، عن طريق ما تتضمنه تلك الرسالات من عقائد وشرائع وشعائر، التي تُنظم أمور الناس، وتحكم أفعالهم وأقوالهم بأحكام وضوابط، تضمن حقوق العباد، وتحدد ما عليهم من واجبات، لتستوي بهم الحياة، وتتحقق الهداية بعيداً عن الضلال والظلمات.

 

والرسالات في الدنيا هي مصدر السلطة في الحياة، فهي منهج الدنيا في تحديد ضوابط أفعال العباد، ووضع العقوبات التي تتناسب مع مخالفاتهم لتلك الضوابط والأحكام، وبعدهم عن أداء الشرائع والشعائر التي جاءت بها الرسالات. كما تمنع اتباع السلطات البشرية الموضوعة، من تنفيذ قوانينها البشرية غير السوية، التي تتبع أهواء البشر وميولهم في الدنيا، قال تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ سورة المؤمنون 71.

 

الرسالات العامة والرسالات الخاصة

 

كان الله تعالى إذا أرسل رسولاً قبل محمد عليه الصلاة والسلام_ يُرسله إلى قوم بعينه، يأمرهم باتباعه والعمل بالشرائع والأحكام التي دعاهم إليها، هذا ما يُعرف بالرسالات السماوية الخاصة.

 

أمّا الرسالات السماوية العامة فهي الرسالات التي يُرسلها الله تعالى لكافة البشر، تنظم أمورهم، وتصلح شؤونهم، في كل مكان وزمان، فرسالة الإسلام هي الرسالة السماوية العامة، التي ختم الله تعالى بها الرسالات السماوية، وجعلها دستور الناس كافة، وشريعتهم في تحديد مبادئهم وقواعدهم وضوابطهم.

 

وتدل عمومية رسالة الإسلام على شمولها، وكمالها، قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ سورة النحل89. كما جمعت رسالة الإسلام ما جاء في الرسالات السماوية جميعها، لتتميز عنها بالكمال والشمولية، وصلاحها لكل مكان وزمان، قال تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍسورة الأنعام 38.

 

حفظ الرسالات السماوية

 

كلّف الله عز وجل علماء كل أمة من الأمم السابقة بحفظ الرسالات، التي أنزلت إلى أقوامهم، عن طريق السابقين من الرسل والأنبياء، قال تعالى: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء سورة المائدة44.

 

لكن بعض هذه الرسالات أحاطها الله تعالى بحفظه، ولم يُوكل ذلك أحد من عباده، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَسورة الحجر 9، فقد نال القرآن الكريم عناية كبيرة في الحفظ والتدوين والنسخ، ودراسة علوم تفسيره وأحكامه وكتاباته، وغيرها الكثير من تلك العلوم التي اختصت بالقرآن الكريم، وهذا كله إثبات لربانية حفظه.

 

اتفاق الرسالات السماوية واختلافها

 

تتفق جميع الرسالات السماوية المنزلة في اتباع سبيل واحد في الدنيا، مهما اختلفت شرائعها وأحكامها، فالدين واحد، والخالق واحد، ومَن يستحق العبادة واحد. فكلها تدعو إلى طاعة الله تعالى وعبادته، بالتزام أوامره، واجتناب نواهيه.

 

كما بيّنت الرسالات السماوية جميعها السبب الموجب للعبادة، وجعلت الدعوة إلى الله تعالى هي سبيل الحق في الدنيا، فجميعها خصت الخالق جل وعلا بالألوهية والربوبية، وبينت النعم التي أنعم الله تعالى بها على البشر. قال تعالى: مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا* أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا* وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا* وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًاسورة نوح 13-17.

 

اختلاف شرائع الرسالات السماوية

 

رغم وحدة الرسالات السماوية جميعها في الدين والدعوة، والغاية والهدف، إلا أنها اختلفت في الشرائع التي نزلت بها على الأرض، أي المنهاج والسنن، والأحكام والتفاصيل. قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً سورة المائدة 48.

 

فجميع الرسالات السماوية شرّعت العبادات، وأحكام المعاملات، وضوابط الأفعال والأقوال، لكن كان لكل رسالة أحكام خاصة، وتفاصيل مختلفة عن الأخرى، لتتناسب مع ظروف الناس في ذلك الزمن، وتتوافق مع تفاصيل حياتهم.