قال الله تعالى في كتابه العزيز:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ)” البقرة‏:185″.

يدور المحور الرئيس لسورة “البقرة” حول قضية التشريع الإسلامي، مع الإشارة إلى عدد من ركائز العقيدة الإسلامية واستعراض لصفات كلٍّ من المؤمنين والكافرين والمنافقين، وتفصيل لقصَّة خلق الإنسان ممثّلاً في خلق أبوينا آدم وحواء عليهما السلام، وإشارة إلى عدد من أنبياء الله ورسله، وتناول لمواقف أهل الكتاب بشيء من التفصيل الذي استغرق أكثر من ثلث هذه السورة الكريمة التي ختمت بإقرار حقيقة الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، وبدعاء إلى الله تعالى يهزّ القلوب والعقول والنفوس في آن واحد.

أوضحت سورة “البقرة”، وما جاء فيها من ركائز التشريع، ومكارم الأخلاق، والقصص، والإشارات الكونيَّة، ونركِّز هنا على أوجه الإعجاز التشريعي في اختيار شهر رمضان لتطبيق عبادة الصيام فيه، وفي فرض هذه العبادة وجعلها ركناً من أركان الإسلام .

وجه الإعجاز التشريعي في آية الصيام:

إنَّ من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم في آيه الصيام هي مايلي:

1. إنَّ شهر رمضان هو أفضل شهور السنة على الإطلاق، ولذلك جاء ذكرهُ باسمه مُفصّلاً في كتاب الله، وهو الشهر الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن الكريم، بينما جمعت الأشهر الحرم على فضلها تحت هذا المُسمَّى، وفصلت أسماؤها في أحاديث رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ( وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب ) والتي كان العرب منذ القدم يحرمون القتال فيها كأحد بقايا الحق القديم الذي أنزله الله تعالى هداية لعباده المؤمنين، ثمّ انحرف العِباد في غالبيتهم عنه .

2. عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السماء الدُّنيا، وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان في أول سنة من البعثة المُحمديَّة الشريفة، ثم أنزل بعد ذلك مُفرَّقا على رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ بحسب الوقائع على ثلاث وعشرين سنة .

3. يؤكد رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ أنَّ جميع ما نعلم من رسالات السماء أنزل إلى الأرض في شهر رمضان، فقد روى الإمام أحمد عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلم ــ قال:” أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍّ مَضينَ من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشر خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان” .

4. فهذه الحقيقة تؤكِّد أن تعظيم شهر رمضان ليس فقط لفرض الصيام فيه، بل لسرٍّ يعلمه الله تعالى ممَّا جعله مناط اختياره- سبحانه وتعالى- لهُ لإنزال جميع ما نعلم من رسالاتهِ السماوية في هذا الشهر بالذات، وربَّما يكون ذلك هو من مبررات تشريع الصيام في شهر رمضان على جلال عبادة الصّيام وقدرها عند ربِّ العالمين؛ لأنها أحب العبادات إلى الله.

فعن أبي أمامة ــ رضي الله عنه ــ أنَّهُ قال: أتيتُ رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ فقلتُ: مرني بعمل يدخلني الجنة، قال:( عليك بالصوم فإنه لا عدل لهُ)، ثم أتينه الثانية، فقال:(عليك بالصوم)” أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم”.

وعن سعيد الخدري ــ رضي الله عنه ــ أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال:( لا يصوم عبد يوماً في سبيل الله إلَّا باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفاً)”أخرجه الجماعة وأبا داود”.

5. إنَّ إنزال جميع ما نعلم من الكتب السماوية في شهر رمضان فيه تأكيد على وحدة رسالة السماء، وعلى الأخوة بين الأنبياء، وبين بني آدم جميعا، وذلك كلّه منطلق من وحدانية الخالق ــ سبحانه وتعالى ــ فوق جميع الذين خلقهم في زوجية واضحة حتى يبقى الله ــ تعالى ــ متفرداً بوحدانيتهِ .

6. إن اختيار شهر رمضان لإنزال جميع ما نعلم من رسالات السماء فيه تأكيد على أنه أفضلُ شهور السنة على الإطلاق، فكما فضّل الله تعالى بعض النبيين، وبعض الرسل على بعض، وفضّل بعض الأفراد العاديين على بعض، وفضل بعض الأماكن وبعض الأزمنة على بعض، فجعل مكة المكرمة أشرف وأطهر بقاع الأرض، يليها بعد ذلك مدينة رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ثم بيت المقدس الذي ندعو الله تعالى أن يعين أمة الإسلام على تحريره من اليهود.

ومن تفضيل بعض الأزمنة على بعض جعل الله تبارك وتعالى يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة، وجعل العشر الأواخر من ليله أفضل عشرة ليالٍ في السنة، وجعل أشرفها على الإطلاق “ليلة القدر” التي جعلها ربنا تبارك وتعالى خيراً من ألف شهر، ( أي أن العبادة فيها تفضل في أكثر من ألف شهر، وهي تزيد على 83 سنة ) .

وفي المقابل جعل الله سبحانه وتعالى الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة أفضل عشرة أيام (بمعنى النهار) في السنة، وجعل أفضلها أجلها تعظيماً يوم عرفة.

7. من هنا جاء تأكيد القرآن الكريم على فضل شهر رمضان الذي قال الله تبارك وتعالى فيه : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)“البقرة185”.


8. وكان الرسول ــ صلّى الله عليه وسلم ــ يبشر صحابته الكرام بمَقدم شهر رمضان بقوله 🙁 قد جاءكم شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه وقيامه، تفتح فيه أبواب الجنة ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم)”أخرجه أحمد، والنسائي، والبيهقي”.

9. في قوله تعالى:( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)“البقرة185”.
المراد بالشهود هنا هو شهود الوقت، لا شهود رؤية الهلال، الذي لا يراه بالقطع كل الناس.

و(شهد) هنا بمعنى: “حضر” أي من شهد منكم الشهر بالغاً، مُقيماً، غير مسافر ولا مريض فليصمهُ أي شهر رمضان، وهذا دليل على كرامة هذا الشهر عند ربِّ العالمين.

و(الشهود) و(الشهادة) هو الحضور مع (المشاهدة) إمّا بالبصر، أو البصيرة، وإمّا بهما معاً، ولكن (الشهود) بالحضور المجرد هنا أولى، ولكن (الشهادة) مع (المشاهدة) تكون أولى عند رؤية الهلال، وهي قول صادر عن علم يقيني حصل بمشاهدة البصر، أوبإدراك البصيرة، أو بهما معاً .

ويأتي الفعل (شهد) بمعنى علم علماً قاطعاً. أو اطَّلع اطِّلاعا صادقاً، أو حضر حضوراً واقعاً، أو أخبر وتبين إخباراً مقروناً بالعلم والإظهار، ولذلك قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ:( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين يوماً)”رواه البخاري ومسلم”.

وعن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول:( إذا رأيتموه فصوموا، وأذا رأيتموه فأفطروا فإن غمَّ عليكم فاقدروا له)”أخرجه الإمام البخاري”.

وعنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال 🙁 إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)”أخرجه البخاي”.

وذلك لا يعني عدم الحساب، بل هو من قبيل التسهيل على الأمَّة في زمن لم يكن متوافرا لها شيء من المعارف والتقنيات المُتاحة لنا اليوم.

وعلى ذلك فإنَّ الرؤية تشمل إدراك ذلك بالعين المُجردة، أو بواسطة الأجهزة المُقربة (التلسكوبات)، أو بواسطة الحساب الفلكي، أو باستخدام الطائرات والأقمار الصناعية.

والتقدير في حديث رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يشير صراحة إلى الحسابات الفلكية، وعلى كلّ ما هو متاح من المعارف المُكتسبة والتقنيات المُتطوّرة .

والذي يعين على رؤية هلال رمضان بعد غروب يوم (29) من شعبان واستخدام كلّ التقنيات المُتاحة هو المناط الحقيقي لإثبات دخول شهر رمضان.

ورؤية هلال رمضان إذا ثبتت في أيِّ بقعة من بقاع الأرض، فإن ثبوتها مُلزم لجميع بقاع الأرض إذا أعلموا بذلك، وذلك لأنَّ عملية ميلاد الهلال هي حدث كوني يعمّ كلَّ الأرض مع اعتبار الفوارق الزمنية.

ومن اللافت للنظر أنَّ كلّاً من فقهاء الأحناف والمالكية والحنابلة يقرّرون بأنهُ لا عبرة باختلاف المطالع ، فإذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على بقية البلاد لقوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ:(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).

وهو خطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أيِّ مكان كان ذلك رؤية لهم جميعاً.

ومن المعلوم أنَّ كلّاً من القمر والأرض يدور من الغرب إلى الشرق، ونتيجة لذلك فإن البلاد في نصف الكرة الغربي ترى الهلال الوليد لفترة أطول من نظائرها في نصف الكرة الشرقي .

ويبقى فرق التوقيت بين أبعد نقطتين على سطح الأرض لا يتعدى (12) ساعة بالزائد او بالناقص، ومن ثم فإن اختلاف الأمة في بدء الصّيام ونهايته هو ناتج عن انقسام المسلمين اليوم إلى أكثر من (62) دولة ودويلة، ولا علاقة له بالمعطيات العلمية .

كذلك فإنَّ التغيُّر في طول كلّ من الليل والنَّهار يتضاعف باستمرار في اتّجاه خطوط العرض العليا، فإذا وصلنا إلى خط عرض (48,5) شمالاً أو جنوباً فإنَّ شفق العشاء يتَّصل بشفق الفجر في فصل الصيف، ويكون طول الليل حوالي أربع ساعات فقط، وهنا يلزم التقدير على أساس أقرب منطقة تنتظم فيها العلامات الفلكية أو اختيار عدة من أيَّام أُخر.

وفي قول الله تبارك وتعالى:(فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) هو أمر ملزم لكِّل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح، مقيم متى رأى الهلال أو أخبر برؤيته من مصدر موثوق به.

وفي زمن تسارع وسائل الاتّصال والمواصلات الذي نعيشُهُ لم يعد هناك مجال لاختلاف الأمَّة في تحديد أوائل الشهور القمرية التي يرتبط بهما ركنان من أركان الإسلام هما: الصيام والحج، ولم يعد هناك مبرر لمُسلّم مُكلّف أن يحرم نفسهُ من بركات شهر رمضان بغير عذر شرعي، ولذلك حذر المصطفى- صلى الله عليه وسلم- من التفريط في يوم واحد من أيام رمضان فقال :(من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله له، لم يقضِ عنه صيام الدهر كله، وإن صامه)”أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي”.

من كلّ ذلك يتّضح وجه من أوجه الإعجاز التشريعي في فريضة صيام شهر رمضان، وفي جعل هذا الشهر أفضل شهور السنة؛ لاختياره من بين شهور السنة لإنزال جميع ما نعلم من الكتب السماوية فيه، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله على بعثة خير الأنام صلى الله عليه وسلم.