بعد أن رفض البعض الاحتجاج بأحاديث الآحاد الصحيحة لإثبات العقيدة، أصبح هذا الرأي منتشراً، حتى كاد الناس أن ينسوا الحق، لكن ردّ عليهم علماء الإسلام بذكر النصوص القرآنية، والأحاديث المتواترة الصحيحة، التي تدل على صحة الاستدلال بأحاديث الآحاد والاحتجاج بها، مثبتين أن في رفضها فساد وخطورة، وأنّ مَن رفضها هم فئة قليلة من علماء الكلام،  وليس من علماء العقيدة.

 

ما هي أحاديث الآحاد؟

 

أحاديث الآحاد هي أحاديث صحيحة نقصت في سندها عن درجة التواتر، وهي أحاديث تفيد اليقين، إذا تبعت أدلة أخرى من القرآن والسنة، وأكد أهل العلم على صحتها وأجمعوا على ذلك، ووردت أحاديث الآحاد في كتب الصحيحين، أو في أحدهما، دون أن يُذكر هناك اختلاف على صحة أي منه، أو الطعن فيها.

 

ويقبل العلماء المسلمون أحاديث الآحاد، للاستدلال بها في الأحكام، والاحتجاج بها في إثبات العقيدة، كما يقبلون النصوص القرآنية والأحاديث المتواترة دون تفريق. ويرى بعض الأئمة أنه يجب الأخذ بأحاديث الآحاد في إثبات العقائد، رغم أنها لا تفيد اليقين في رأيهم.

 

النصوص الدالة على الاحتجاج بأحاديث الآحاد:

 

دلت الكثير من النصوص الشرعية على وجوب الاحتجاج بأحاديث الآحاد في إثبات العقيدة، منها:

 

  • قول الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ سورة التوبة 122. يحث الله تعالى المسلمين في هذه الآية على العمل والمثابرة للبحث في أمور الفقه والدين، وعلى مَن يفقه ويتعلم أمور دينه، أن يُعلم قومه ويُنذرهم بما تعلم.
    والمقصود بأمور الفقه والدين، فهم الأحكام وإثبات العقيدة، ومما ورد في هذه الآية كدليل على الأخذ بحديث الآحاد، أمر الله تعالى للمتعلمين والفقهاء أن أمور الدين أن يعلموا أقوامهم.

 

  • قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا” سورة الحجرات آية 6، وهذا دليل صريح على أن غير الفاسق، إذا جاء بخبر، يجوز الاحتجاج به دون الحاجة للتحقق من صحة ما جاء به.

 

  • قدم أهل اليمن على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقالوا: “ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة، فقال: هذا أمين هذه الأمة” حديث متفق عليه. بما أنّ النبي _عليه الصلاة والسلام_ بعث أبي عبيدة _رضي الله عنه_ وحده إلى أهل اليمن، فهذا دليل على صحة الاحتجاج بحديث الآحاد، وتصديق الخبر من راوٍ واحد، وكان -عليه الصلاة والسلام_ يبعث رجلاً واحداً من الصحابة إلى البلد الواحد، لتعليمهم أمور دينهم.

 

وكان هؤلاء الصحابة _رضي الله عنهم_ يُنذرون الناس بأحكام الدين، وما يعلمون من العقائد، وهذا دليل على صحة الاحتجاج بما جاؤوا به.

 

الرد على من يرفض الاحتجاج بأحاديث الآحاد في إثبات العقيدة:

 

  • إن رفض أحاديث الآحاد للاحتجاج هو رأي ابتدعه بعض علماء الكلام، وهو أمر لا يوجد له أي أساس أو مبدأ في الشريعة الإسلامية.

 

  • لا يوجد أي نص شرعي سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية، يدل على عدم صحة الأخذ بأحاديث الآحاد لإثبات العقائد وفهم الأحكام، ولو كان هناك دليلاً لصرّح به الصحابة _رضي الله عنهم_، وعلموه لعلماء السلف من بعدهم، ولا يُذكر أنّ أحد من الصحابة رفض قول صحابي آخر، بحجة أنه حديث آحاد.

 

  • إنّ الأدلة الشرعية التي جاءت بوجوب الأخذ بحديث الآحاد، لا يمكن تخصيصها فقط لفهم الأحكام الإسلامية وتعلمها، وإنما تشتمل على إثبات العقيدة.

 

  • إنّ رفض حديث الآحاد لإثبات العقيدة، يتطلب رفضه في فهم الأحكام وعدم الأخذ به، فما يُثبت الأحكام ويُبيّنها في الإسلام، تثبت بها العقيدة، وإنّ رفض حديث الآحاد للاحتجاج به، أمر مرفوض غير متفق عليه من قِبل الأصوليين، الذين أكدوا على أن حديث الآحاد يفيد العلم واليقين.

 

حكم إنكار إثبات العقيدة بحديث الآحاد:

 

قال بعض العلماء أنّ إنكار إثبات العقيدة بحديث الآحاد كفر، ومَن أنكر الاحتجاج بها فهو كافر، لكن لا يمكن اعتبار ذلك كفراً حسب قول العلماء المسلمين، وإنما يمكن القول بأنّ مَن أنكر إثبات العقيدة بحديث الآحاد قد سلك الطريق الخطأ، وقد يكون ذلك سبباً لزيغه وضلاله؛ لأنّه أنكر الاستدلال بدليل صحيح من السنة، ولتفادي خطورة ذلك يجب الأخذ بما أجمع عليه أهل السنة والعلماء الأصوليون في أمور الدين.