الوضوء لغة: معناه الحسن والنظافة، وهو اسم مصدر، لأنَّ فعله إمّا أن يكون توضأ، فيكون مصدره التوضوء؛ أو إما أن يكون فعله وضُؤ: فيكون مصدره الوضاءة” بكسر الواو” فيقال: وضؤ، ككرم، وضاءة، أي بمعنى حسنٌ ونظيف، فالوضوء على جميع الأحوال اسم للنظافة، أو للوضاءة، وهذا المعنى عام يشمل المعنى الشرعي، ولأنَّ المعنى الشرعي للوضوءهي: نظافة مخصوصة، تترتَّب عليه الوضاءة الحسيَّة، والمعنويَّة، أمّا معناه في الشرع، فهو استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، وهي الوجه واليدين، الخ، بكيفية مخصوصة.

والوضوء في اللغة مشتقٌ من الوضاءةِ، أي بمعنى الحُسن والبهاء،وفي الشَّرع الإسلامي هو: طهارة مائية تخص أعضاء معينة على صفةٍ مخصوصةٍ بنيَّة العبادة.



قال النووي: وأمّا الوضوء فهو من الوضاءة بالمدِّ، وهي النظافة والنضارة وفيه ثلاث لغات أشهرها أنَّه بضم الواو واسم للفعل وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به.


فروض الوضوء:

يقسم الوضوء إلى عدَّة فرائض:

  • الفرض الأول غسل الوجه: فقال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)” المائدة 6″. وقال ابن قدامة: غسل الوجه واجبٌ بالنَّص والإجماع ، ولكن اختلفوا بالمضمضة والاستنشاق، على قولين:


    القول الأول: وجوب المضمضة والاستنشاق، وهذا ما قاله الحنابلة. واستدلوا بحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ) “أخرجه البخاري”.


    القول الثاني: المضمضة والاستنشاق سنَّة، وبهذا القول، قال المالكيَّة والشافعيََّة . واستدلُّدو بحديث عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:( عَشرٌ مِنَ الفِطرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وإِعفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، واسْتِنشَاقُ الماءِ، وقَصُّ الأَظفَارِ، وغَسلُ البَرَاجِمِ، وَنَتفُ الإِبطِ، وَحلقُ العانَة، وانتِقاصُ المَاءِ) . وقال زكريا وقال مصعب فقد نسيت العاشرة إلّا أنْ تكون المضمضة.

  • الفرض الثاني: غسل اليدين: قال النووي: غسل اليدين فرض بالكتاب والسنَّة واالجماع .وقال البغوي: (واغسلوا ايديكم إلى المرافق) ” المائدة 6″. أي مع المرافق. واختلفوا في إدخال المرفقين على قولين: القول الأول:


    قال: المالكيَّة والشافعيَّة والحنفيَّة، واستدلُّوا بحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه (أنَّه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ، ثمَّ غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ، ثمَّ غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد ، ثمَّ مسح رأسه ، ثمَّ غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ، ثمَّ غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ) وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أنتم الغرُّ المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرَّته وتحجيله) ” رواه مسلم “.


    أمَّا القول الثاني عدم إدخال المرفقين: حكي عن هذا القول بعض المالكيَّة، ورجَّحوا القول الأول بدلالة الحديث. وقال البخاري وقد قال الشافعي في كتاب الأم لا أعلم مخالفاً” في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله وكذا من قال بذلك من أهل الظَّاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا” وإنَّما حكى عن أشهب كلاماً محتملاً.

  • الفرض الثالث: مسح جميع الرأس. قال النووي: فمسح الرأس واجب بالكتاب والسنَّة والإجماع. وقال الله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)” المائدة 6″.


    واختلفوا في المسح على قولين:


    بعضهم قال بمسح الرأس كاملاً، وبهذا القول قال: المالكيَّة والحنابلة.


    واستدلوا بقوله تعالى: ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)”المائدة 6″.


    أما القول الثاني: وهو مسح جزء من الرأس، وبهذا القول قال الحنفيَّة، واستدلُّوا بحديث عن أبي المغيرة بن شعبة عن أبيه، قال بكر: وقد ذكر ابن المغيرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم( توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين).


    ومن أصول الحنفية: أنّ أكثر الشيء منزلٌ منزلة الكل. والراجح هو القول الأول، وقال ابن قدامة، ولأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ذكروا أنَّه مسح رأسه كلَّه. وتكون صفة المسح على الرأس، بأن يمسح رأسه فيبدأ بيديه من مقدم رأسه ثمَّ يمررهما إلى قفاه ثمَّ يردهما إلى المقدمة.


    وذهب بعض الفقهاء بمسح الرأس مع الأذنين: واستدلُّوا بحديث عن ابن عباس رضي الله عنه، (أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما).

  • الفرض الرَّابع غسل الرجلين: فقال تعالى( وأرجلكم إلى الكعبين).

  • والفرض الخامس: الموالاة بينها يعني متابعة غسل الأعضاء بلا فاصل زمني طويل بينها. قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/6 .

سنن الوضوء:

للوضوء سنن ألّا وهي ما يلي:


أولاً: السِّواك، ويكون عند المضمضة ؛ ليتمَّ به تنظيف الفم لاستقبال العبادة وتهيئة نفسه لتلاوة القرآن ومناجاة الله عزَّوجل.


ثانياً: غسل الكفين ثلاثاً في بداية الوضوء قبل غسل الوجه، وذلك لأنَّ اليدين آلة النقل التي تنقل الماء إلى الأعضاء. البداية في المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه ولا يبالغ فيها وهو صائم. ويبالغ فيها إذا كان غير صائم. والمبالغة في المضمضة: تعني إدارة الماء في جميع فمه وفي الاستنشاق، وجذب الماء إلى أقصى أنفه.


ثالثاً: تخليل اللحية الكثيفة في الماء حتى يبلغ الماء في داخلها، وتخليل أصابع اليدين والرجلين.


رابعاً: التيامن، وهو البدء باليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى.


خامساً: الزيادة على الغسلة الواحدة إلى ثلاث غسلات في غسل الوجه واليدين والرجلين.


ويستحب أن يقول المسلم بعد الوضوء” أشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أنّ لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك .

شروط الوضوء:

تنقسم شروط الوضوء إلى ثلاثة أقسام:


الشرط الأول: وهو شرط الوجوب.


الشرط الثاني: شرط الصحة.


الشرط الثالث: شرط الوجوب والصحة معاً.


والمراد بشروط الوجوب، هي التي توجب على المكلفين أنّ يتوضؤوا، بحيث إذا فقدت الشروط أو بعضاً منها فلا يجب الوضوء. والمراد بشروط الصحة هي التي لا يصح الوضوء بدونها. والمراد بشرط الوضوء والصحة معاً، هي التي إذا فقد منهاشرط، فإنّ الوضوء لا يجب ولا يصح إذا وقع.

  • الإسلام: فعلى الرغم من اختلاف الفقهاء من وجوب الإسلام ليصح الوضوء، بينما ذهب مذهب الحنفية، إلى قبول الوضوء من الكافر، وبعضهم الآخر اتجه إلى عدم صحة وضوء الكافر، فالإسلام شرط ضروري في كافة العبادات وليس في الوضوء فقط.

  • أن يكون بالغاً عاقلاً، حيث أنَّه لا يصح وضوء الشخص المجنون الذي يكون فاقداً لعقله، كما يصحّ وضوء الشخص المميز الذي يفهم الكلام ويردّ الجواب، الذي يستطيع أنّ يأكل لوحده ويشرب لوحده، فذهب البعض أنَّه من بلغ سبع سنواتٍ من عمره.

  • النيَّة: فالنيَّة هي شرط مهم من شروط صحَّة الوضوء لأنَّه يشترط فيها المسلم نيَّته في الطَّهارة من كل حدث سواء كان حدث أصغر أو حدث أكبر.

  • طهارة الماء: ويشترط لقبول الوضوء أن تكون المياه طاهرة خاليه من النجاسة، ويصحّ أن يستخدم الماء المستخدم ما دام أنّه يخلو من بعض النجاسات.

  • التخلُّص من كل مايعيق وصول الماء إلى الأعضاء المراد بها الوضوء. فاجتمعت المذاهب الأربعة على اشتراط إزالة ما يمنع وصول الماء إلى أعضاء الوضوء، مثل الليَّت أو الدّهن، أو طلاء الأظافر، أو ماشابه ذلك.

  • دخول الوقت على المستحاضة ومن به سلسُ بول .ذهب الجمهور إلى اشتراط دخول الوقت على من به حدثّ دائم مثل المستحاضة أو من به سلس بول حتى تصحّ طهارته.

  • القدرة على الوضوء بالماء: فمن شروط قبول كافَّة العبادات، فيجب المقدرة على فعلها، ولقبول الوضوء وصحَّة الوضوء، يجب أن تتوفَّر القدرة على استعمال الماء، ومن لم يستطع فيستبدله ببديل آخر كالتيمُّم.

أراء الفقهاء في شروط الوضوء:

قال المذهب المالكي: أنّ الإسلام شرط صحَّة فقط . فالكفَّار عندهم مخاطبون بفروع الشريعة فتجب عليهم العبادات، ويحاسبون على تركها، ولا تصحُّ منهم إلا بعد الإسلام، ولكن لا تصح منهم حال الكفر، لأنَّ العبادات جميعها متوقِّفة على شرط النيَّة عندهم.


أمّا الحنفيَّة قالوا: إنَّ الإسلام شرط من شروط الوجوب فقط، لامن شروط الوجوب والصحَّة معاً، بعكس المالكيَّة، فالكافر غيرمكلَّف بفروغ الشريعة عندهم، ولكن لم يعدوه من شرائط الصحَّة؛ لأنَّ الوضوء عندهم لا يتوقف على النيَّة، لأنَّ النية ليست من فرائضه، بخلاف التيمُّم، فإنَّه لا يصحُّ من الكافر، لتوقفه على النية، لأنَّها فرض في التيمم.


أمّا الحنفيَّة قالوا: بلوغ الدعوة ليس شرطاً في صحَّة الوضوء، بحيث لو توضأ قبل بلوغ الدَّعوة، ثمَّ بلغته وهو متوضئ، فإنَّ وضوءه يكون صحيحاً، وإنَّما لا يعدوا بلوغ الدَّعوة شرطاً في الوجوب، وذلك اكتفاءً بالإسلام، لأنَّ الإسلام لا يتحقَّق إلا بعد بلوغ الدعوة، وبذلك تعلم أنَّ الذين اعتبروا الإسلام شرط وجوب وصحةٍ في آن واحد.


أمّا الشافعيَّة: فقد زادوا على ما ذكر في شروط الصحَّة ثلاثة أمور:


الامر الأول: أن يكون عالماً بكيفيَّة الوضوء، بمعنى أن يعرف أنَّ الوضوء هو غسل الوجه، وغسل الذراعين إلى المرفقين، إلى آخر الوضوء، فإذا غسل وجهه ويديه، وهو لا يعرف أنَّ هذا هو الوضوء المكلَّف به شرعاً، فإنَّ وضوءه لا يصح.


أما الأمر الثاني: أن يميِّز الفرض عن غيره، إلا إذا كان من العوام، يعني إذا كان المتوضئ عاميّاً، فالشرط في حقِّه أن لا يعتقد الفرض نفلاً، بحيث لو اعتقد أنَّ الكل فرض؛ فإنَّه يصحُّ، مثلما كان يعتقد أنَّ الوضوء مشتمل على فرائض وسنن، ولكن لم يميِّز الفرض من السنَّة، فوضوؤه في هذه الحالة يجوز.


أما الأمرالثالث: هو أن ينوي في أول الوضوء ويبقى مستمراً في نيته للوضوء حتى ينتهي منه، بحيث لو نوى الوضوء حال غسل وجهه فقط، ثمَّ نوى بعد ذلك بغسل يديه لتنظيفهما فقط أو للتبرُّد بالماء؛ فإنَّ وضوءه لا يصحُّ ويعتبر هذا مصاحبة النيَّة حكماً، حتى يفرغ من الوضوء، فإذا نوى الوضوء ونوى مع الوضوء النظافة ؛ بذلك فإنَّ وضوءه لا يبطل.

أمّا الحنابلة: فقد زادوا في شروط الصحَّة فقط ثلاثة أمور:


الشرط الأول: أحدها أن يكون الماء مباحاً، فإذا توضأ بماء مغصوب فإنَّ وضوءه لا يصحُّ.


الشرط الثاني: أن ينوي الوضوء، فإذا لم ينوي للوضوء فلا يصح وضوءه، فالنية عندهم شرط لصحة الوضوء؛ أما الحنفية فقد عرفت أنَّها عندهم سنة، فليست ركناً، ولا شرطاً؛ وأمَّا المالكيَّة والشافعيَّة فقد قالوا: إنَّه ركن من أركان الوضوء. فالحنابلة وحدهم هم الذين جعلوها شرطاً.


الشرط الثالث: أن يتقدَّم الاستجمار أو الاستنجاء على الوضوء، فلا يصحُّ الوضوء عندهم بغير ذلك. والحنفيَّة قالوا: إنَّ فرائض الوضوء مقصورة على هذه الأربعة، بحيث لو فعلها المكلَّف بدون زيادة عليها، فإنَّه يكون متوضئاً، تصحُّ منه الصلاة وغيرها ممَّا يتوقف على الوضوء؛ كمس مصحفٍ مثلاً.