إن يونس عليه السلام قدّم لنا مثلاً عظيماً عندما هداه الله إلى هذا القول: “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” الأنبياء:87. فاستجاب الله تعالى لدعاء يونس عليه السلام وانقذه من الغم وهو أشد جنود الله تعالى؛ لأن الشيء يضيق الإنسان وهو الشيء الذي لا نستطيع له الدفع.

 

قصة أشد الجند مع علي بن أبي طالب

 

إن الغمّ هو من أقوى أنواع البلاء وأشكاله، وعلي بن أبي طالب المعروف بالفتوى والذي كان بعض الناس يستفتونه فيما كانوا يعجزون عنه وعن العثور عن حلّ له، فاجتمع أغلب الناس وقالوا: نريد أن نجمع بعض الأشياء الصعبة ونسأله عنها من أجل اختباره، وعندما اجتمعوا قالوا للصحابي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نريد أن نستعرض كون الله تعالى، فجلسنا سويًا حتى نعرف أقوى ما خلق الله، واختلفنا بأن كل واحد منا قال اسم القوة على حسب رؤيته لها.

 

إن علي بن أبي طالب لم يتأنى ولم يقل كلامًا متتابعًا بحيث إن وقف لا يطالبه أحد بزيادة، بل حدّد من كلامه وجمله بعض من القوى على حسب ترتيبها وحسب قوتها من أجل أن تطابق العدد مع المعدود، وهذا برهان على أنه مستحضرٌ للقضية استحضار الواثق، وفرد أصابع يديه فقال علي بن أبي طالب: إن أشدّ جنود الله عشرة وهم:

 

“الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء تطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء والريح تقطع السحاب وابن آدم يغلب الريح، يستتر بالثوب أو الشيء ويسير لحاجته، والسّكر يغلب ابن آدم والنوم يغلب السّكر والهمّ يغلب النوم، فأشد جنود الله تعالى هو الهمّ”.

 

ولهذا الأمر قال علي بن أبي طالب، بأن الغمّ والهم هو من أشدّ الله وكان يونس عليه السلام هو السبب في أن الله تعالى قدم لكل مؤمن به إلى أن تقوم الساعة منجىً من الحزن والهم وذلك بالدعاء الذي منحه الله ليونس عليه السلام بقوله: “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ” الأنبياء:88.

 

العبره المستفادة من قصة أشد الجند مع علي بن أبي طالب

 

العبرة هنا من قصة علي بن أبي طالب بأن العدو كلما كان لطيف (أي غير مرئي) ازداد عنف؛ لأن الأعداء كلما كان حجمهم كبير كانت الوقاية منهم أخف وأسهل من العدو الصغير الذي تكون حركته أسرع وأحياناً بخفاء، والعدو الضخم عندما يرى الناس ضخامته من بعيد يختبؤون منه أو يتهربون منه، لكن إذا كان العدو صغير ولا يُرى فإنه لا يراه الإنسان ولا يتمكن من الهروب منه.