تحذير الخلق من كتمان العلم والحق:

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ مَاۤ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَیَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَیَلۡعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ إِلَّا ٱلَّذِینَ تَابُوا۟ وَأَصۡلَحُوا۟ وَبَیَّنُوا۟ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَتُوبُ عَلَیۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ﴾ ﴾ صدق الله العظيم [البقرة ١٥٩].

قوله تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ)صدق الله العظيم، بيان لجزائهم، وبقوله تعالى: (مَاۤ أَنزَلۡنَا) انتظمت الآية في ختمها لهذا الخطاب، بآية أخرى في نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلۡبِسُوا۟ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَتَكۡتُمُوا۟ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ صدق الله العظيم [البقرة ٤٢] فكانت البداية خاصة، وكان الختم عاماً، ليكون ما في كتاب الله أمراً، على نحو ما كان أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن تقدمه من الرسل خلقاً، والآية تتناول كل من كتم شيئاً من الدين؛ وهو أولى ممّا يقوله كثير من علماء التفسير، من أنّها نزلت في اليهود خاصة، ومن أنّها نزلت في اليهود والنصارى، وذلك لن اللفظ عام، والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين، لا يقتضي الخصوص، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب – كما تقول القاعدة الأصولية – فقد اخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن أبي هريرة ال أبو هريرة: لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدَّثت شيئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إلى آخر الآية، والآية الأخرى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ إلى آخر الآية [سورة آل عمران: ١٧٨] صدق الله العظيم، الآية.

وهذا الكلام يوافق ما قاله ابن جرير الطبري- فالآية تعني كل كاتم علماً فرض الله بيانه للناس، وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة . والحديث له روايات مختلفة بألفاظ قريبة من هذا اللفظ.

قوله تعالى: (مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ…) صدق الله العظيم، أُريد بـ ( البينات) التي لا يحتاج سامعها المجرد عن الهوى فهمها إلى شيء معها، ( والهدى) هو: الذي من شأنه أن يقود من أحبه إلى صراط مستقيم، ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في وقت ما ولو قَلّ، أثبت الجارَّ فقال تعالى: (مِنۢ بَعۡدِ مَا بَیَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ) صدق الله العظيم، أي: الذين هم في أدنى طبقات المُخاطبين، وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل، فإنّهم من أعظم المقصودين بذلك، لكتمانهم ما عندهم.

قوله تعالى: (فِی ٱلۡكِتَـٰبِ) إشارة إلى أن ما بينه الله في الكتاب لا يحل كتمه.
قوله تعالى: (أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ) صدق الله العظيم، أي: البُغضاء البُعداء.
قوله تعالى: (یَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ) صدق الله العظيم، أي: يطردهم.
قوله تعالى: (وَیَلۡعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ) صدق الله العظيم، أي: كل من يصح منه لعن.

وقد دلت هذه الآية بظاهرها على استحقاق اللعنة على من كتم ما انزل الله تعالى، وإن لم يسأل عنه، بل ويجب التعليم والتبيين، قال الرازي: أما قوله تعالى: ﴿ما أنزلنا من البينات﴾ فالمراد كل ما أنزله على الأنبياء كتابا ووحيا دون أدلة العقول، وقوله تعالى: ﴿والهدى﴾ يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية.

ولمّا بين تعالى عظيم الوعيد في كتم ما أنزل الله، فبين تعالى أنّهم إذا تابوا تغير حكمهم، ودخلوا في أهل الوعد، فقال تعالى:

﴿إِلَّا ٱلَّذِینَ تَابُوا۟ وَأَصۡلَحُوا۟ وَبَیَّنُوا۟ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَتُوبُ عَلَیۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ﴾صدق الله العظيم، فقوله تعالى : (إِلَّا ٱلَّذِینَ تَابُوا۟) استثناء متصل، والتوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح.

ثم بين تعالى: أنّه لا بد له من التوبة من إصلاح ما أفسده في الماضي، مثلاً لو أفسد على غير دينه بإيراد شبهة مضللة، يلزمه إزالة تلك الشبهة، ثم بين ثالثاً: أنّه بعد ذلك يجب عليه فعل كل ما هو عكس الكتمان، وهو البيان والتوضيح لما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع، وهو المراد بقوله تعالى: ( وبينوا) فدلّت الآية على أنّ التوبة، لا تحصل إلّا بترك كل ما لا ينبغي، وبفعل كل ما ينبغي.

وقوله تعالى: (فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ) صدق الله العظيم، إشارة إلى من جمع هذه الأوصاف من التوبة والإصلاح والتبيين، فقوله تعالى: (أَتُوبُ عَلَیۡهِمۡ) أي: أقبل توبتهم فأحفظهم ، ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان، ختم الآية بما دلَّ على أن التقدير: فإنّي أُحب التوابين، فقال تعالى: (وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ) صدق الله العظيم.