تتميز اللغة العربية بأنواع كثيرة من الأشكال النثرية وفنون من الكتابة الأدبية الراقية، وقد اهتم المؤرخين بدراستها مثل فن الخطابة، والتوقيعات، والرسالة، والوصية، والأمثال والحكم، وغير ذلك من الفنون النثرية المدونة أو المتناقلة على الألسن وفي هذا المقال سنتناول فن التوقيعات وأبرزها في هذا العصر.

 

تعريف التوقيعات لغة واصطلاحا

 

التوقيع لغة: التوقيع يُصدر في اللغة على وقوع الشيء،” يُقال: وقَعَ الشيءُ وُقُوْعًا فهو واقعٌ، والواقعة”: الساعة لأنها تسقط بالخلق وتغشاهم.

 

والوَقَعةُ: هول الحرب. والوقائع: منابع الماءِ المجزئة، كأن الماء وقع فيها، ومواقع المطر: مساقطه، والصقر الواقع، من وقع الطائر، ويراد أنه قد ضم جناحيه فكأنه سقط على الأرض، ومَوقَعَة الطائر: موضعه الذي يسكن فيه، وكَوَيت البعير وقاع: دائرة واحدة يوسم بها بعض جلده، فكأنها وقعت به، ووَقَعَ فلانٌ في فلانٍ وأوْقَعَ به.

 

التوقيع اصطلاحا: قد أطلق على هذا النوع من الفنون فن التوقيعات نسبة إلى ما يوثقه الخليفة أو المندوبين عنه على الرسائل التي ترد موقع الخلافة، سواء أكان طلبًا أو شكوى أو رد مظلمة، وقد وضحه الكثير من المؤرخين سابقًا ولاحقًا، ومن هؤلاء المؤرخين نجد أبو محمد البطليوسي يوضحه: “وأما التوقيع، فإن العادة جرت أن يستعمل في كل كتاب يكتبه الملك، أو من له أمر ونهي، في أسفل الكتاب المرفوع إليه، أو على ظهره، أو في عرضه، بإيجاب ما يسأل أو منعه.”

 

ومن المؤرخين الجدد نجد الدكتور شوقي ضيف أنَه يوضح بطريقة أخرى سهلة:

 

“التوقيعات عبارات موجزة بليغة تعود ملوك الفرس ووزراءهم أن يوقعوا بها على ما يقدم إليهم من تظلمات الأفراد في الرعية وشكاواهم، وحاكمهم خلفاء بني عباس ووزرائهم في هذا الصنيع، وكانت تشيع في الناس ويكتبها الكتاب ويحفظونها وظلمته، وقد سموا الشكاوى والظلامات بالقصص لما يحكي من قصة الشاكي وظلمته، وسموها بالرقاع تشبيها لها برفيع الثياب.”

 

التوقيعات وإعجازها البليغ والإيجاز

 

الأدب العربي ما يزال يتمتع بسمات من عبارات وتعابير وقواعد ونحو وخيال، وهي معجزة الله سبحانه تعالى في القرآن الكريم، فلقد نشره العرب إلى أرجاء البلاد وحملوا معه مفرداته، وهي كذلك أقوى اللغات صياغةً وأوضحها تعبيرًا وأجملها عند أهلها، “أنها أفضل اللغات وأوسعها، إذ يكفي ذلك دليلا أن رب العالمين اختارها أشرف رسله وخاتم رسالاته، فأنزل بها كتابه المبين.”

 

وإن أكثر شيء يجذب الانتباه في لغة العرب أنها لغة مختصرة، وتكون الكلمة المفردة فيها أو عبارة واحدة تشمل أشكالًا من التعابير المتعددة التي يسيطر خيالها في ذهن المرء بسماعه لهذه المفردات، فإذا تتبعنا خطى هذه اللغة العظيمة منذ ظهورها في الزمن الجاهلي، ونجد العرب في ذلك الوقت متشددين في الحرص على الإيجاز في لغتهم.

 

فن التوقيعات في العصر العباسي

 

يعد فن التوقيعات من أبرز أنواع الفنون في النثر التي تميز بها العهد العباسي، وازدهر بشكل واضح في الزمن العباسي الأول الممتد من الأعوام الهجرية السابقة، وقد أقام العلماء للتوقيعات فنًا خالصًا به لما فيه من بلاغة وجمال.

 

سمات وخصائص التوقيعات في العصر العباسي

 

تنوعت صفات التوقيعات وخصائصها، ويمكن إدراجها بالنقاط التالية:

 

1- الاختصار البلاغي.

 

2- دقة الصياغة.

 

3- قوة التركيب.

 

4- قوة المعنى.

 

5- إمكانية التأثير.

 

6- تعدد أساليبها: بحيث تكون خبرية أو إنشائية.

 

7- احتوائها للكثير من الاقتباسات، مثل الاقتباسات المستخلصة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، إضافة للأمثال، والحكم، والشعر.

 

8- احتوائها لمفردات دلالية كثيرة.

 

9- الإيقاع الموسيقي الواضح.

 

10- جدية الخطاب وقوته.

 

11- احتوائها الاستعارات والتشبيهات التي تظهر حنكة صاحبها.

 

عوامل ازدهار التوقيعات في العصر العباسي

 

كثرت العوامل التي جعلت التوقيعات أدبًا متطورًا بهذه الصورة في الزمن العباسي، ومن أهم هذه العوامل:

 

1- توجه الخلفاء العباسيين لتقوية حكمهم وضرورة ذلك في أول عهد خلافتهم بعد سيطرتهم على مقاليد الحكم بعد الأمويين، فقد ساعدت التوقيعات في فرض حكم العباسيين، وفرض قوتهم عبر الأوامر التي كانت تأخذ من الخلفاء على شكل توقيعات.

 

2- بَرز الخلفاء العباسيين بِالفكر والأدب الأمر الذي كان واضحًا من دقة توقيعاتهم واللغة المميزة المستعملة فيها.

 

3- اندمج العباسيين بالثقافات الأخرى، خصوصًا الثقافة الفارسية، والتي تميزت بالتوقيعات، فتعلموا منهم هذا الفن، وأضافوا إليه لمسة مشرقية.

 

أمثلة من توقيعات الخلفاء في العصر العباسي

 

هناك الكثير من التوقيعات العباسية المهمة للخلفاء، وما يلي أبرزها:

 

1- الخليفة أبو العباس السفاح: وقَّع الخليفة أبو العباس على كتاب عددٍ من أفراد حاشيته الذين اشتكوا حبس أرزاقهم “من صبر في الشدة شارك في النعمة.”

 

2- الخليفة أبو جعفر المنصور: وقَّع الخليفة أبو جعفر المنصور لواليه في مصر عندما شكى له تراجع مياه نهر النيل” طهر عسكرك من الفساد، يعطيك النيل القياد.” 

 

3- الخليفة هارون الرشيد: وقَّع الخليفة هارون الرشيد في واقعة البرامكة “أنبتته الطاعة، وحصدته المعصية”، ووقَّع إلى والي خراسان ” داوِ جرحك لا يتسع.”  وكذلك وقَّع إلى صاحب السند إذ ظهرت العصبية: “كل من دعا إلى الجاهلية تعجَّل إلى المَنية.” وأيضًا توقيعه: في قصة محبوس: “من لجأ إلى الله نجا” ووقع إلى صاحب خراسان: “داوِ جُرْحَك لا يتَّسِع.”

 

4- المهدي: وقع إلى صاحب خراسان في أمر: “أنا ساهر وأنت نائم.”

 

5- المأمون: وقَّع في قصة متظلم من عمرو بن مسعدة: “يا عمرو، عمِّر نعمتك بالعدل، فإن الجور يهدمها.” ووقَّع إلى الرستمي في قصة من تظلم منه: “ليس من المروءة أن تكون آنية من ذهب وفضة، وغريمك خاوٍ وجارك طاو.”

 

6- زياد بن أبيه: وقَّع في قصة قوم اشتكوا من عامل رفيعة: “من أماله الباطل قَوَّمَه الحق.” ووقَّع في قصة سارق: “القطع جزاؤك”، ووقَّع أيضا في قصة متظلم: “أنا معك” ومرة وقع: “الحق يسعك” ومرة وقع: “كفيت”، ووقع في قصة رجل جارح: “الجروح قصاص”، ووقع أيضا في قصة محبوس: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له.”

 

7-جعفر بن يحيى: وقَّع في قصة محبوس: ”العدل يُوبقه، والتوبة تطْلِقه.” ومرة أخرى وقَّع: “الجناية حبسته، والتوبة تطلقه.” ووقَّع أيضاً في قصة ما تنصح: “بعض الصدق قبيح.” ووقَّع أيضاً في رجل شكا بعض عماله: “قد كثر شاكوك، وقل شاكروك، فإما عدلت، وإما اعتزلت.” وقَّع إلى قوم: “عين الخليفة يكلؤكم ونظره يعمهم.” ووقَّع في قصة ستمنح، قد كان وصله مرارا: “دَعِ الضَّرعَ يَدُِرُّ لغيرك كما دَرَّ لك.”

 

وفي النهاية نستنتج أن فن التوقيعات فن نثري تطور وازدهر في العصر العباسي بشكل واضح، وأهتم به الخلفاء العباسيين أمثال هارون الرشيد وجعفر بن يحيى والمأمون وغيرهم الكثير من الخلفاء.