تُعتبر هذه القصة من الروائع الأدبية التي صدرت عن الأديب آندريه ميكيل، وقد تناولت في مضمونها حواراً دار بين الملك والملكة في معرفة أيهما أقوى لذة الحب أم لذة المعرفة، كما تطرقوا من خلال الحوار إلى أيهما تبقى بشكل أطول على مر العصور.

 

قصة صباح الليلة الأولى بعد الألف

 

في البداية كانت تدور وقائع وأحداث القصة حول حوار دار بين أحد الملوك في الزمن القديم والذي يعرف باسم الملك شهريار وزوجته الملكة التي تعرف باسم شهرزاد، وأول ما بدأ بالحوار كان الملك حيث قال: لن أكون راضيًا تمام الرضا يا سيدتي إلا إذا قمتِ بالكشف لي عن سر اللغز، وهو أنه كيف تعلمتِ كل ما سمعته منك خلال تلك الليالي الماضية، فردت عليه الملكة وقالت: يا سيدي أننا في الحقيقة لا نعرف أي شيء من تلقاء أنفسنا، وإنما تتوارث إلينا المعرفة من الآباء والأجداد، فعلى سبيل المثال الشعراء هم الوحيدون في هذا العالم الذين يمتلكون الطموح الحقيقي، وهناك من أكثر منهم ممن يطمحون إلى امتلاك قطعة صغيرة من تلك الأراضي الشاسعة والتي لا تعود ملكيتها في الحقيقة والنهاية إلا لله وحده.

 

وصمتت الملكة لبرهة من الوقت وأخذت بتفسير الأمر للملك وأكملت حديثها بقولها: فالشعراء في الأصل لا ينطقون الكلمات ويبتدعونها من تلقاء أنفسهم، فكل كلمة ينطقون بها هي إرث آبائهم وأجدادهم، إلا أنهم في البداية كانوا لا يعرفون ما يفعلونه بتلك الكلمات التي انتقلت إليهم من الآخرين، ثم بعد ذلك قاموا بترتيبها لتصبح تجسد معنى عظيم، ومن ثم يسردونها على مسامع الناس والملوك والأمراء، كما أنهم يصنفونها إلى مدح أو رثاء أو ما إلى غير ذلك.

 

ولكن في الأصل حينما نعود إلى تلك الكلمات نجد أن التعريف الأول للمعرفة هو الإرث ولم أفعل شيء آخر يا سيدي، ثم استطردت الملكة حديثها قائلة: ولا يمكن لأي شخص يسمع ما ينطق به الشعراء إلى أن يلتمس أن أن كلماتهم تلامس شخصيته، ففي الحقيقة ما يسرده الشعراء على مسامعي يلمس شخصيتي بشكل كبير، وهذه الكلمات البليغة التي ينطق بها الشعراء جعلت المكتبات تدونها في كتب مخصصة وتسفيد من بيعها وتوصيلها إلى أكبر قدر ممكن من القراء، كما أن تدوينها قد ساهم إلى حد كبير في حفظ تلك الأشعار في ذاكرة كل فرد يقوم بقراءتها، كما أنها تساهم في توسعة فكر القارئ.

 

وفي ذلك الوقت قال الملك للملكة: إذا أردتِ يا سيدتي في كل يوم بعد أن تنتهي من رعاية واهتمام طفلك تهمي بجهودك وتملي كل ما تحدثتا به ويتم تدوينه في كتب، وأؤكد لكِ أيها الملكة أن كلامكِ سوف يكون نص مدون في كتب ويحيا إلى الأبد، وافقت الملكة على طلب الملك وقالت: سوف أفعل ذلك يا سيدي إذ أنه يتوجب علينا أن ندون كل ما توصلنا إليه من معرفة ويتم حفظه ويعاد نسخه مرات عدة؛ لكي يتم نقله وتوارثه من جيل لجيل آخر.

 

فقال لها الملك: ولكن ما زالت هناك العديد من الأسئلة التي تخطر في بالي، لم أنتهي من أسئلتي، فقالت الملكة: كلي سمعاً وطاعة يا سيدي، فقال لها الملك: لدي اقتراح إنني أدرك كل ما توصلت إليه من معرفة وعلم عبر هذه السنوات الطويلة، وإنما ينبغي أن تضيفي إلى الإرث والمعرفة التي توصلي إليها بعض من التجارب التي عشتيها في حياتك وتستخلصي منها الحكمة وتدونيها للأجيال المقبلة.

 

وفي تلك الأثناء حينما سمعت الملكة هذا الاقتراح من الملك ردت عليه: بالفعل يا سيدي إن كل إنسان حي لديه موهبة ميزة الله تعالى بها في الكلام والمنطق والتخيل، كما أنه ينبغي على كل إنسان بالغ وعاقل أن يصوب من خلال الحكمة التي يمتلكها الأخطاء التي وقع بها آباؤه، فمع مرور الزمن اكتشفنا أن هناك الكثير من الأخطاء في إحدى جونب الإرث الذي توارثناه، وفي حال تركنا تلك الأخطاء على حالها كيف سوف يكون عليه الأمر إذا ظلت تلك الأخطاء نتوارثها.

 

وهنا رد عليها الملك وقال: إن التلقي في الحقيقة لا يمنع الإبداع على الاطلاق، ولكن تصحيح الأخطاء البسيطة من الإرث هذا هو الإبداع بحد ذاته، فأجابته الملكة: ولكن أين سوف نقوم بالبحث عن هذا في أنفسنا، فمن المؤكد يا سيدي أننا سوف نجده ونعثر عليه في النهاية، ولكن بشرط ألا نبحث عنه في عالم مغلق على ذاته.

 

واستطردت الملكة حديثها بقولها: العالم بحد ذاته ينادينا من مختلف الجوانب، ومن أهم الأمور للحكماء أن لا يغلقوا على أنفسهم في طريقهم للوصول إلى المعرفة، إنما يتوجب على الحكماء أن يقارنوا معرفتهم ويزودوها بما توصل إليه الآخرين والمختصين في العلم، وهذا البحث حول المعرفة والعلم لا ينبغي أن يتم وضع أو تحديد أي مكان أو زمان ولا يتوجب الوقوف عند معلومة تم التوصل لها في الزمن القديم.

 

وهنا قال لها الملك: كأنني أسمعكِ يا سيدتي تقولين إن لذة المعرفة تكمن في الحقيقة الوحيدة، ولكن ذلك لا يمنع من البحث حول المجهول دائمًا، ولكن هناك خطر ببالي سؤال وهو أنه كيف تكون اللذة وكيف تكون المعرفة، فردت عليه الملكة: يا سيدي إن هناك شيئًا في الحقيقة فيما قلته، ولكن أسمح لي أن أوضح لك أن لذة البحث تكمن في السعي حول المحتوى.

 

وأكملت الملكة حديثها بقولها: يا سيدي كما قلت لك في البداية إن الشعراء في الحقيقة يؤكدون لنا أن كل أشعارهم هي إرث عن آبائهم وأجدادهم، ولكن ما أضافوا إليها هو الترتيب والتصنيف، ونحن ونعرف ذلك تماماً، إلا أنهم ينطقون بتلك الكلمات بشكل جديد، فهم لا يفعلون أي شيء جديد سوى السؤال عن مصير الإنسان في بعض المواضيع وفي مواضيع أخرى يتطرقون للحديث في مواضيع البهجة والحب.

 

فقال الملك: إنك يا سيدتي تبسطين الأمور بشكل كبير فكم أن الشعراء متساهلون وأنهم يوصلون إلى الإنسان كل ما يفهمه العقل الأصيل، ولذلك كل ما هو أصيل ينبغي أن يكون شائع ومنتشر، ومن الضروري المحافظة على هذا الفكر حتى يتم إحياء الكلمات المكتوبة أو المنطوقة، مع ذلك يبقى سر الليالي الطويلة لم أصل إلى إدراكه، فهو من الأسرار الغامضة بالنسبة إلي فهل تستطيعين أن تقولي لي سرًا؟.

 

فأجابته الملكة: إنني ما زلت صغيرة جدًا يا سيدي في العمر، ولكن من أبلغ ما تعلمته أن لذة الحب تنفذ مع الوقت وأنك عند ببلوغها سوف تقتلني، ومن حسن حظي أنني أعرف أن هناك لذة أخرى في هذه الحياة يمكنني أن أتبعها ألا وهي لذة المعرفة وأنها لا يمكن أن تنفد أبداً إلا بعد موتنا، وها أنا قد منحتك إياها، ومنذ أن تلقيتها أصبحت ملكي للأبد.