قصة قصيدة “إذا رقد النيام فإن عمرا”:

أمّا عن مناسبة قصيدة “إذا رقد النيام فإن عمرا” فيروى بأنّ الفرزدق خرج في يوم يريد اليمامة، وبينما هو في الطريق وصل إلى ماء لبني حنيفة، فجلس هنالك، وبينما هو جالس ارتفعت سحابة، وبدأت ترعد وتبرق، ومن ثم بدأت تمطر مطرًا غزيرًا، فأسرع يريد ديار بني حنيفة ليحتمي من المطر، وعندما وصلها، نزل من عن ظهر ناقته، وربطها، وجلس تحت بيت من بيوتهم وكان مغطى بجريد النخيل، وكان في البيت جارية سوداء، وفتاة، وكانت هذه الفتاة فائقة الجمال، فأتت إليه الجارية ببعض الرطب، فسألها وقال: لمن هذه الرطب؟، فردت عليه وقالت: لك، ومن ثم دخلت الفتاة وسلمت عليه وجلست، وسألته، قائلة: من أين أنت؟، فرد عليها وقال: من بني تميم، فقالت: ومن أيِّهم؟، فقال لها: من بني نهشل، فقالت له: أنتم الذين يقول فيكم الفرزدق:

 

إنّ الذي سمك السماء بنى لنا
بيتا دعائمه أعز وأطول.

 

بيت زرارة محتب بفنائه
ومجاشع وأبو الفوارس نهشل.

 

فقال لها: نعم، فضحكت الفتاة وقالت: لقد هدم عليه جرير بيته حينما قال:

 

أخزى الذي سمك السماء مجاشعا
وأحل بيتك بالحضيض الأوهد

 

وعندها أعجب الفرزدق بالفتاة، وعندما رأت ذلك في عينيه، قالت له: إلى أين مقصدك؟، فقال لها: إلى اليمامة، فتنفست الفتاة الصعداء، وأنشدت قائلة:

 

تذكرت اليمامة، إن ذكري
بها أهل المروءة والكرامه.

 

ألا فسقى المليك أجش جونا
يجود بسحه تلك اليمامه

 

أحيِّي بالسلام أبا نجيد
وأهل للتحية والسلامه

 

ومن ثم قالت : لقد أنست بها، فقال لها الفرزدق: هل أنت ذات بعل أم ذات خدين؟، فردت الفتاة وقالت:

 

إذا رقد النيام فإن عمرا
هو القمر المنير المستنير

 

وما لي في التبعل من مراح
ولو رد التبعل لي أسير

 

ثم سكتت لبرهة، ومن بعدها أنشدت قائلة:

 

تخيل لي، أبا كعب بن عمرو
بأنك قد حملت على سرير

 

فإن يك هكذا، يا عمرو، إنّي
مبكرة عليك إلى القبور

 

ومن بعد أن أنهت ما تقول، ماتت من فورها، وعندما سأل الفرزدق عنها، قالوا له بأنّها عقيلة بنت النجاد بن النعمان بن المنذر، ومن ثم سأل الفرزدق عن عمرو، فقالوا له بأنّه كان ابن عمها، وكانت مغرمة به، وهو مغرم بها، ومن بعدها توجه الفرزدق إلى اليمامة، وعند وصوله سأل عن عمرو، وإذ به قد مات في نفس اليوم الذي ماتت فيه عقيلة.