قصة قصيدة “لئن منعوني في حياتي زيارة”:

 

أمّا عن مناسبة قصيدة “لئن منعوني في حياتي زيارة” فيروى بأنّ جبر بن حبيب أقبل في يوم من مكة المكرمة، وكان يريد اليمامة، فنزل في حي من أحياء بني عامر، فأكرموا مثواه، وبينما هو عندهم، أقبل عليه فتىً هيئته حسنة، وسلم عليه، وجلس، ومن ثم سأله، وقال: إلى أين تريد الذهاب؟، فقال له جبر: إلى اليمامة، فقال له الفتى: ومن أين أتيت؟، فقال له جبر: من مكة، فجلسوا يتحدثون، ومن بعدها قال الغلام لجبر: هل تأذن لي بالذهاب معك إلى اليمامة؟، فقال له جبر: نعم، خير صاحب الطريق أنت، فجاء الغلام بناقة كبيرة كأنّها قلعة بيضاء، ووضعها بجانب مكان مبيت جبر، ونام هو الآخر قريبًا منها.

 

وعندما أتى الصباح وأراد جبر الرحيل، ذهب إلى الغلام يريد أن يوقظه، فوجده وكأنّه لم ينم في تلك الليلة أبدًا، فقاموا وأصلحوا الرحل، وركبوا، وانطلقوا يريدون اليمامة، وقال جبر عن مصاحبته له أنّه قصَّر عليه يومه بصحبة هذا الغلام، وسهل عليه سفره.

 

وعندما وصلوا ورأوا بياض قصور اليمامة، أخذ الغلام ينشد، قائلًا:

 

وأعرَضَتِ اليَمامَةُ واشمَخَرّتْ
كَأسْيَافٍ بأيدي مُصْلِتِينَا

 

وبدأ الغلام ينشد البيت تلو الآخر، وعندما اقتربوا من اليمامة، أراد الغلام أن يميل إلى بيوت قريبة منهم، فقال له جبر: لعلك تريد حاجة من هذه البيوت؟، فقال له الغلام: بلى، فقال له جبر: انطلق راشدًا، فقال له الغلام: أريدك أن توفي حق الصحبة، فقال له جبر: وكيف ذلك؟، فقال له: أن تميل معي إلى هذه البيوت، فرافقه جبر إلى هنالك، وعندما وصلوا، ورآه أهل الحي أتوهم، وأناخوا الجمال بهم، وأنزلوهم، وأظهروا لهم السرور، وأكثروا من برّهم، وكانوا للغلام أشد تعظيمًا من جبر، فقال الغلام: قوموا معي إن شئتم، ومن ثم قام، فلحقه الجميع ومن بينهم جبر، وتوجهوا إلى قبر حديث البناء، فألقى الغلام بنفسه على هذا القبر، وأنشد قائلًا:

 

لَئِن مَنَعوني في حَياتي زيارَةً
أُحامي بِها نفساً تَمَلّكَها الحبُّ

 

فَلَن يَمنعوني أن أُجاورَ لحدَها
فيَجمَعَ جِسمَينَا التجاورُ والتُّرْبُ

 

ومن ثم شهق شهقة مات من بعدها، فقام جبر ومعه الفتيان، وحفروا حفرة له ودفنوه فيها، ومن بعدها سأل جبر عن هذا الفتى، فقالوا له أنّه ابن سيد الحي، وأن القبر لبنت عمّه، وكان مغرمًا بها، وماتت منذ ثلاث سنين، فأقبل عليها.