اقرأ في هذا المقال

الآية:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡیَ قَالَ یَـٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾ [الصافات ١٠٢]

لنتأمّل الخطاب وكيف أن إبراهيم عليه السلام عرض الأمر الفادح بطريقة هادئة واضحة.

إنّ العظماء يبدون أكثر هدوءاً في الأزمات الطاحنة، والفتن المدلهمة، والأحداث الكبرى، والكبار وحدهم قادرون على السيطرة على مشاعرهم وأنفسهم في الأوقات العصيبة، إنهم يلتزمون أخلاقيات الحوار مهما كان الموضوع صعباً.

(یَـٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ) الوضوح والصدق والدقّة، إنّ وضع الأفراد والأمم أمام مشكلاتها الحقيقية يتطلب قدراً عالياً من المسؤولية في الصراحة والشفافية، ففي عبارة موجزة دقيقة وضع الخليل عليه السلام ابنه مباشرة في الموضوع، دون تضليل أو خداع، إنّنا نعاني في مجتماعتنا المسلمة من فقدان الوضوح والمباشرة في تعاملاتنا الفردية والجماعية.

لا يمكن لأيّ بيت أو لأمّة أنّة تنهض نهضة حقيقية دون أن تصطدم بكل صدق مع أزماتها، وأن تعترف بكل شجاعة بحجم الآلآم التي تعانيها، والأخطار الت تحدق بها، وأن تتخلى على الفور عن المجاملة الخادعة التي تخدر إحساسها.

إنّ إبراهيم لم يكن ليتخلى قط عن تنفيذ أوامر الله تعالى، لكنّه أراد أن تكون مشاركة ابنه طوعية حتى يحظى بأجر التسليم والاتباع، فقبل إسماعيل بالعرض مختاراً، طائعاً محتسباً، إنّ الغلام يتولى أمر أبيه المحب (قَالَ یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُ) رسالة مهمّة للخليل في الوقت الصعب، ومساندة غالية في لحظة الابتلاء المريرة.

وهنا نتعلم الدرس الكامل الواضح وهو التسليم الكامل المطلق لأمر الله تعالى (سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ) ، والتسليم هو القبول بأمر الله تعالى دون تردد أو شك.

لقد كان بإلأمكان أنة يأتي جبريل في أوضح صور الوحي إلى إبراهيم؛ لينقل إليه الأمر بالذبح، لكن الابتلاء – ولأمر ما- جاء في صورة منام، ورؤيا الأنبياء حق؛ لتعظيم البلية به.

إنّ النفوس المراوغة تبحث عن أي منفذ للفرار من تنفيذ أوامر الله تعالى، وتفرح بكل حيلة تسهل عليها ترك أوامره، لكنّ الخليل عليه السلام لم يفعل، لقد كان في أسمى حالات التسليم.

رزقنا الله حسن التسليم لأمره.