ما لا تعرف عن قصيدة “أيا أمّ الأسير سقاك غيث”:

أمَّا عن مناسبة قصيدة “أيا أم الأسير سقاك غيث” التي يرثي فيها أمه عندما وصله خبر وفاتها، فوصف طول معاناتها وحسرتها وهو بعيد عنها، قائلاً:

أيا أمَّ الأسيرِ، سقاكِ غيثٌ،
بكُرْهٍ مِنْكِ، مَا لَقِيَ الأسِيرُ!

أيا أمَّ الأسيرِ، سقاكِ غيثٌ،
تَحَيّرَ، لا يُقِيم وَلا يَسِير!

إذا ابنكِ سارَ في برٍ وبحرٍ،
فمنْ يدعو لهُ، أو يستجيرُ؟

حرامٌ أن يبيتَ قريرَ عينٍ
ولؤمٌ أنْ يلمَّ بهِ السرورُ!

لِيَبْكِكِ كُلُّ يَوْمٍ صُمتِ فيهِ
مُصَابِرَة ً وَقَد حَميَ الهَجِير

لِيَبْكِكِ كُلّ مُضْطَهَدٍ مَخُوفٍ
أجرتيهِ، وقدْ قلّ المجيرُ!

أيا أماهُ، كمْ بشرى بقربي
أتَتْكِ، وَدُونَها الأجَلِ القَصِير

إلى منْ أشتكي ولمنْ أناجي،
إذا ضاقتْ بما فيها الصدور؟

بِأيّ دُعَاءِ دَاعِيَة ٍ أُوَقّى؟
بأيِّ ضياءِ وجهٍ أستنيرُ؟

بِمَن يُستَدفَعُ القَدرَ المُوَفّى
بِمَن يُستَفتَحُ الأَمرُ العَسيرُ

وهنا يقف أبو فراس الحمداني عند عاطفة الأمومة الحانية المتألمة من خلال تصويره معاناة والدته وحسرتها عليه عندما وقع أسيرًا، فلا معيل ولا رفيق يساعده أو يؤانسه في عزلته ووحدته فالشاعر يغرف من قاموس الحزن والألم ليبكي أما بقيت منتظرة عودة فلذة كبدها من سجنه، غير أن المنية وافتها قبل تحقيق أملها ومرادها، فما كان من أبو فراس إلّا نم هذه المرثية تعبيرًا وتفريجًا عن زفراته الآسية، وخلجات نفسه المتوجعة؛ لأنّه لم يقدر أن يراهها قبل رحيلها عن الدنيا.

ويستحضر أبو فراس الحمداني في القصيدة مقدرته الفنية والأسلوبية في حياكة المفردات؛ لتعبر من خلالها عمّا يشف ذاته من مدلولات التفجع والانكسار على وفاة أمّه، فلا يألوا جهدًا بأن يتوكًا على التكرار في قول: (أيا أم الأسير) لتبقي لوحة أمّه المتألمة لصورة ابنها الأسير ترن في عقليته، محتفظًا بصوتها، معليًا من إيقاعها الصوتي في قلبه.

أبو فراس الحمداني: هو الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي، ولد في الموصل، فهو ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة الحمداني، عاصر أبا الطيب المتنبي، قد أُسر في إحدى معاركه مع الروم.

يُعدّ أبو فراس الحمداني من أهم شعراء العصر العباسي فهو أميرًا عربيًا، نشأ أبو فراس الحمداني في رعاية عمّه سيف الدولة بعد وفاة والده، حيث أصبح شاباً فارساً وشاعراً.